ما أجراه على يدي موسى صلوات الله عليه ، من الأمور التي لا يقدر عليها أحد من خلق الله ، ولم يقدر عليها فرعون وجنده مع بطشه وكثرة أتباعه ، وقرب عهدهم بما عاينوا من عجائب حِكَم الله - فهم إلى تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وجحود ما في كتبهم = التي زعموا أنهم بها مؤمنون = من صفته ونعته ، مع بعد ما بينهم وبين عهد موسى من المدة - أسرع ( 1 ) وإلى التكذيب بما جاءهم به موسى من ذلك أقرب .
* * *
القول في تأويل قوله تعالى : { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا }
قال أبو جعفر : يعني بقوله جل ثناؤه : ( وإذ أخذنا ميثاقكم ) ، واذكروا إذ أخذنا عهودكم ، بأن خذوا ما آتيناكم من التوراة - التي أنزلتها إليكم أن تعملوا بما فيها من أمري ، وتنتهوا عما نهيتكم فيها - بجد منكم في ذلك ونشاط ، فأعطيتم على العمل بذلك ميثاقكم ، إذ رفعنا فوقكم الجبل . ( 2 )
وأما قوله : ( واسمعوا ) ، فإن معناه : واسمعوا ما أمرتكم به وتقبلوه بالطاعة ، كقول الرجل للرجل يأمره بالأمر : " سمعت وأطعت " ، يعني بذلك : سمعت قولك ، وأطعت أمرك ، كما قال الراجز :
السمع والطاعة والتسليم . . . خير وأعفى لبني ميمْ ( 3 )
هامش
( 1 ) سياق هذه الجملة المفصلة : . . " وإخبار منه لهم أنهم إذا كانوا فعلوا ما فعلوا . . فهم إلى تكذيب محمد . . . أسرع " ، وكل ما بين ذلك فصول متتابعة كدأبه .
( 2 ) سلف شرحه لألفاظ هذه الآية : " ميثاق " ، " الطور " ، " الإيتاء " ، " قوة " ، فاطلبه في المواضع الآتية 2 : 156 ، 157 ، 160 والمراجع .
( 3 ) قائلة رجل من ضبة ، من بني ضرار يدعى جبير بن الضحاك ، ومن خبره أن عبد الله بن عمرو بن غيلان الثقفي والي البصرة في سنة 55 ، خطب على منبرها فحصبه جبير هذا ، فأمر به عبد الله بن عمرو فقطعت يده . فقال الرجز . ورفعوا الأمر إلى معاوية فعزله ( تاريخ الطبري 6 : 167 ) .