- على ما قالاه - فما فوقها في العظم والكبر ، إذ كانت البعوضة نهايةً في الضعف والقلة .
وقيل في تأويل قوله " فما فوقها " ، في الصغر والقلة . كما يقال في الرجل يذكرُه الذاكرُ فيصفه باللؤم والشحّ ، فيقول السامع : " نعم ، وفوقَ ذاك " ، يعني فوقَ الذي وصف في الشحّ واللؤم ( 1 ) ، وهذا قولٌ خلافُ تأويل أهل العلم الذين تُرْتَضى معرفتهم بتأويل القرآن .
فقد تبين إذًا ، بما وصفنا ، أن معنى الكلام : إن الله لا يستحيي أن يصف شبَهًا لما شبَّه به الذي هو ما بين بعوضةٍ إلى ما فوق البعوضة .
فأما تأويل الكلام لو رفعت البعوضة ، فغير جائز في " ما " ، إلا ما قلنا من أن تكون اسما ، لا صلة بمعنى التطول ( 2 ) .
* * *
القول في تأويل قوله : { فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا }
قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بقوله : " فأما الذين آمنوا " ، فأما الذين صدّقوا الله ورسوله . وقوله : " فيعلمون أنه الحق من ربهم " . يعني : فيعرفون أن المثَل الذي ضرَبه الله ، لِما ضرَبه له ، مثَل .
564 - كما حدثني به المثنى ، قال : حدثنا إسحاق بن الحجاج ، قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع بن أنس : " فأما الذين آمنوا
هامش
( 1 ) في المطبوعة : " فوق الذي وصف " . وهذا التأويل الذي ذكره الطبري ، قد اقترحه الفراء في معاني القرآن 1 : 20 - 21 وأبان عنه ، وقال : " ولو جعلت في مثله من الكلام " فما فوقها " ، تريد أصغر منها ، لجاز ذلك . ولست أستحبه " ، يعني : أنه لا يستحبه في هذا الموضع من تفسير كتاب الله .
( 2 ) قد شرحنا معنى " صلة " و " تطول " فيما مضى ص : 405 .