الله لا يخشى أن يصف شبهًا لما شبّه به ( 1 ) .
وأما " ما " التي مع " مثل " ، فإنها بمعنى " الذي " ، لأن معنى الكلام : إن الله لا يستحيي أن يضرب الذي هو بعوضةً في الصغر والقِلة فما فوقها - مثلا .
فإن قال لنا قائل : فإن كان القول في ذلك ما قلت ( 2 ) ، فما وجه نصب البعوضة ، وقد علمتَ أنّ تأويل الكلام على ما تأولت ( 3 ) : أن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا الذي هو بعوضة ؛ فالبعوضةُ على قولك في محل الرفع ؟ فأنى أتاها النصب ؟
قيل : أتاها النصب من وجهين : أحدُهما ، أن " ما " لما كانت في محل نصْب بقوله " يضرب " ، وكانت البعوضة لها صلة ، عُرِّبت بتعريبها ( 4 ) فألزمت إعرابها ، كما قال حسان بن ثابت :
وَكَفَى بِنَا فَضْلا عَلَى مَنْ غَيْرِنَا . . . حُبُّ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ إِيَّانَا ( 5 )
فعُرِّبت " غيرُ " بإعراب " من " . والعرب تفعل ذلك خاصة في " من " و " ما " ( 6 ) ، تعرب صِلاتهما بإعرابهما ، لأنهما يكونان معرفة أحيانًا ، ونكرة أحيانًا .
هامش
( 1 ) هذا بقية تفسير الكلمة على مذهب من قال إن الاستحياء بمعنى الخشية ، لا ما أخذ به الطبري ، وتفسير الطبري صريح بين في آخر تفسير الآية .
( 2 ) في المطبوعة : " كما قلت " .
( 3 ) في المطبوعة : " على ما تأولت " ، وليست بجيدة .
( 4 ) في المطبوعة " أعربت بتعريبها " . وقوله " عربت " : أي أجريت مجراها في الإعراب ، وهذا هو معنى " التعريب " في اصطلاح قدماء النحاة ، وستمر بك كثيرًا فاحفظها ، وهي أوجز مما اصطلح عليه المحدثون منهم .
( 5 ) ليس في ديوانه ، ويأتي في الطبري 4 : 99 غير منسوب ، وفي الخزانة : 2 : 545 - 546 أنه لكعب بن مالك ، ونسب إلى حسان بن ثابت ولم يوجد في شعره . ونسب لبشير بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ، ونسب أيضًا لعبد الله بن رواحة . وذكره السيوطي في شرح شواهد المغني : 116 ، 252 ، وأثبت بيتا قبله : نَصَرُوا نَبِيَّهُمُ بِنَصْرِ وَلِيِّهِ . . . فالله ، عَزَّ ، بِنَصْرِهِ سَمَّانَا
قال : يعني أن الله عز وجل سماهم " الأنصار " ، لأنهم نصروا النبي صلى الله عليه وسلم ومن والاه . والباء في " بنصر وليه " ، بمعنى " مع " .
( 6 ) في المطبوعة : " فالعرب تفعل . . . " .