في آذانهم فَرَقًا من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزل فيهم شيء ، أو يذكروا بشيء فيقتلوا . فإنْ كان ذلك صحيحًا - ولست أعلمه صحيحًا ، إذ كنت بإسناده مُرتابًا - فإنّ القولَ الذي رُوي عنهما هو القول ( 1 ) . وإن يكن غيرَ صحيح ، فأولى بتأويل الآية ما قلنا ، لأن الله إنما قصّ علينا من خَبرهم في أول مُبتدأ قصتهم ( 2 ) ، أنهم يُخادعون الله ورسوله والمؤمنين بقولهم : آمنا بالله وباليوم الآخر ، مع شكّ قلوبهم ومَرَض أفئدتهم في حقيقة ما زَعموا أنهم به مؤمنون ، مما جاءهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند ربهم . وبذلك وصَفَهم في جميع آي القرآن التي ذكرَ فيها صفتهم . فكذلك ذلك في هذه الآية .
وإنما جَعل اللهُ إدخالهم أصابعهم في آذانهم مثلا لاتِّقائهم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بما ذكرنا أنهم يَتَّقونهم به ، كما يتّقي سامعُ صَوتِ الصاعقة بإدخال أصابعه في أذنيه . وذلك من المثَل نظيرُ تمثيل الله جل ثناؤه ما أنزَل فيهم من الوعيد في آي كتابه بأصوات الصواعق . وكذلك قوله " حَذَرَ الموت " ، جعله جلّ ثناؤه مثلا لخوفهم وإشفاقهم من حلول عاجل العقاب المهلِكهم الذي تُوُعِّدوه بساحتهم ( 3 ) كما يجعل سامعُ أصوات الصواعق أصَابعه في أذنيه ، حَذَرَ العطب والموت على نفسه ، أنْ تَزهق من شدتها .
وإنما نصَب قوله " حَذَرَ الموت " على نحو ما تنصب به التكرمة في قولك : " زُرْتك تَكرمةً لك " ، تريد بذلك : من أجل تكرمتك ، وكما قال جلّ ثناؤه ، ( وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ) [ سورة الأنبياء : 90 ] على التفسير للفعل ( 4 ) .
وقد رُوي عن قتادة أنه كان يتأول قوله : " حَذَرَ الموت " ، حذرًا من الموت .
هامش
( 1 ) انظر الحديث رقم : 452 والتعليق عليه .
( 2 ) في المطبوعة : " قصصهم " ، ولا بأس بها . وبعد ذلك في المخطوطة : " أنهم عارفون يخادعون الله . . " ، ولا معنى لإقحام قوله : " عارفون " .
( 3 ) في المطبوعة : " العقاب المهلك . . " بدلوا لفظ الطبري ، ليوافق ما اعتادوه من الكلام .
( 4 ) قوله " على التفسير للفعل " ، أي أنه مفعول لأجله .