وقد زعم أيضًا بعضُ من ضعُفت معرفتُه بتأويل أهل التأويل ، وقلَّت روايته لأقوال السلف من أهل التفسير ، أنّ " الرحمن " مجازه : ذو الرحمة ، و " الرحيم " مجازه : الرّاحم ( 1 ) ، ثم قال : قد يقدِّرون اللفظين من لفظٍ والمعنى واحد ، وذلك لاتساع الكلام عندهم . قال : وقد فعلوا مثل ذلك فقالوا : ندمان ونَديم ، ثم استشهد ببيتِ بُرْج بن مُسْهِر الطائي :
وَنَدْمَانٍ يزيدُ الكأسَ طِيبًا ، . . . سَقَيْتُ وَقَدْ تَغَوَّرَتِ النُّجُومُ ( 2 )
واستشهد بأبياتٍ نظائره في النَّديم والنَّدمان ، ففرق بين معنى الرحمن والرحيم في التأويل لقوله : الرحمن ذو الرحمة ، والرحيم الراحم ، وإن كان قد ترك بيان تأويل معنيَيْهما على صحته . ثم مثّل ذلك باللَّفظين يأتيان بمعنى واحد ، فعاد إلى ما قد جعله بمعنيين ، فجعله مثال ما هو بمعنى واحد مع اختلاف الألفاظ .
ولا شك أن ذا الرحمة هو الذي ثَبت أن له الرحمة ، وصحَّ أنها له صفة ؛ وأن الراحم هو الموصوف بأنه سيرحم ، أو قد رحم فانقضى ذلك منه ، أو هو فيه .
ولا دلالة له فيه حينئذ أن الرحمة له صفة ، كالدلالة على أنها له صفة ، إذا وُصِف بأنه ذو الرحمة . فأين معنى " الرحمن الرحيم " على تأويله ، من معنى الكلمتين يأتيان مقدَّرتين من لفظ واحد باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني ؟ ولكن القول إذا كان غير أصل معتمد عليه ، كان واضحًا عوارُه .
وإن قال لنا قائل : ولم قدّم اسمَ الله الذي هو " الله " ، على اسمه الذي هو " الرحمن " ، واسمه الذي هو " الرحمن " ، على اسمه الذي هو " الرحيم " ؟
قيل : لأن من شأن العرب ، إذا أرادوا الخبر عن مُخبَر عنه ، أن يقدِّموا اسمه ، ثم يتبعوه صفاتِه ونعوتَه . وهذا هو الواجب في الحُكم : أن يكون الاسم مقدَّمًا قبل نعته وصِفَته ، ليعلم السامع الخبرَ ، عمَّن الخبرُ . فإذا كان ذلك كذلك -
هامش
( 1 ) الذي عناه الطبري ، هو أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتابه " مجاز القرآن " : 21 ، وقد نقل أكثر كلامه الآتي بنصه .
( 2 ) حماسة أبي تمام 3 : 135 ، والمؤتلف والمختلف للآمدي : 62 .