تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مباحث التفسير — صفحة 198

مساهمون:

ص١٩٨
قلت : لا شك بأن الله تعالى عدَّد هذه النعم في هذه الآيات للامتنان ، وأن له على عباده المنة بإعطاء هذه النعم ، فلو قدّرنا قوله : { لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا } كلاماً تاماً لم يكن فيه ذكر نعمةٍ ، ولو جعلناه متصلاً بقوله : { وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ } كان فيه ذكر النعم فكان أولى بالامتنان ، والواو كما يكون للترتيب يكون للجمع المطلق . ولو قلنا بأن : { وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ } مرتب على الإخراج من بطون الأمهات لا يَبْعُد ؛ لأن حقيقة السمع ما يسمع به ، والبصر ما يبصر به حقيقة ، والفؤاد ما يُعلم به ، وهذه المعاني لم تكن موجودة قبل الإخراج ، فكأنه جعل لهم السمع والأبصار والأفئدة بعد الإخراج . وفي الآية إشارة إلى ما قلت ؛ لأنه قال { لَا تَعلَمُون شَيئًا } ثم ذكر إعطاء الأفئدة التي هي آلة للعلم بعد ذلك ، فكأنه قال : ( أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تسمعون ولا تبصرون ولا تعلمون فجعل لكم سمعاً تسمعون به وأبصاراً تبصرون بها وأفئدة تعلمون ) ؛ لأنه لما جاز أن لا يعلم شيئاً مع وجود الفؤاد قبل الإخراج جاز أن لا يَسمَع ولا يبصر مع وجود آلة السمع والبصر ، ولهذا إذا أتلف واحدٌ بصرَ الطفل يجب عليه في الشرع حُكُومة العَدْل ، وكذا سائر حواسه