تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 333

مساهمون:

ص٣٣٣
ومن ذلك تأويل الزمخشري رحمه الله لقوله تعالى : { وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } [ الإسراء : 44 ] ، فإنه أولها بما معناه ( 1 ) : وإن من شيء إلاَّ يدل على أن الله يستحق التسبيح ، ولكن إذا رأيتم هذه الأشياء لم تفقهوا ما فيها من الدِّلالة على استحقاقه للتسبيح ، هذا معنى كلامه ، وقد قدمت ما فيه من النظر ، لأنه لا ملجىء إليه مع ما فيه من البعد . فأمَّا غير الزمخشري رحمه الله من المفسرين على أساليب أهل الكلام ، فلهم تأويلاتٌ بعيدةٌ ، وفي " تهذيب " ( 2 ) الحاكم رحمه الله كثيرٌ من هذه الأشياء ، منها في تفسير : { وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 27 ) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُون } [ الأنعام : 27 - 28 ] ، فإن الحاكم رحمه الله أنكر صحة عودهم إلى ما نهوا عنه بعد مشاهدة القيامة وأهوالها ، وتأول الآية على أن المراد : إذا رُدُّوا إلى الدنيا كما يُرَدُّ من النوم إلى اليقظة ، قال : فأما بعد المعاينة والعلم الضروري ، فلا يجوز الرد إلى حال التكليف ، للإلجاء الحاصل . هذا لفظه . والعجب كيف يستغرب أن تحمل الآية على أنهم لو رُدُّوا كالرد من النوم إلى اليقظة ، لعادوا لما نهوا عنه ، والله قد نص على أنهم إنما تمنوا الرد لما وُقِفُوا على النار ، وبدا لهم ما كانوا يخفون من قبل : وكذَّبهم الله في قوله في تلك الحال : { يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ } ، فقال : { وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْه } ، وأكَّد ذلك بقوله : { وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُون } . وإذا كان هذا التأويل قريباً ، فنحن لا نتأول تلك الأحاديث بأبعد من هذا ، وان كان بعيداً ، ولا ننكر على صاحبه فما بال تلك الأحاديث اختصت بالإنكار .
هامش
( 1 ) " الكشاف " 2 / 451 . ( 2 ) هو الحاكم الجشمي ، وقد تقدمت ترجمته 1 / 296 و 2 / 333 .
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 333 | شعيب الأرنؤوط / محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )