والعيشُ خيرٌ في ظِلا . . . لِ الجهل مِمَّنْ عاشَ كَدَّا
إن معناه : ممن عاش كدّاً مع العقل ، حتى يمكن الترجيح ، إذ لو اجتمع العيش مع العقل لم يصح من عاقلٍ أن يفضِّل عليه العيش مع الجهل .
ومع ذلك جميع ما تقدم في مسألة الإرادة من التيسير لليسرى والعسرى ، ومن آيات المشيئة التي لا يمكن حَمْلُها على الإكراه ، لقوله تعالى : { لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ( 28 ) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ } [ التكوير : 28 - 29 ] على ما تقدم تقريره .
فثبت بهذه الجملة أن الراجح واقعٌ ، والمرجوح ممتنعٌ ، وأن الاختيار مع ذلك ممكنٌ كما مضى تقريره ( 1 ) ، وكما سيأتي .
وهذا القسم هو المسمى بالممكن لنفسه ، الممتنع لغيره ، والتكليف به جائز بالإجماع مثل تكليف من عَلِمَ الله أنه لا يؤمن ومع توقُّف الفعل على الدواعي والصوارف وتوقُّفِهما على خلق الله لها ، فأجمعت فِرَقُ الإسلام ، بل العقلاء على أنه لا تأثير لها في وجود الفعل .
ممن ذكر الإجماع على ذلك الشهرستاني في " نهاية الإقدام " أن العلم لا يؤثر في المعلوم إجماعاً ، ومما يدل على ذلك وجوه :
هامش
= أنشدها صاحب " الأغاني " 11 / 49 - 50 ، ونقل عن النضر بن شميل أنه كان يستحسنها ويستجيدها .
وقد استشهد أصحاب المعاني بهذا البيت على الإيجاز المخلِّ ، إذ هو يريد أن العيش الناعم في ظل الجهل أو النَّوك خير من العيش الشاق في ظل العقل ، وألفاظ البيت لا تفي بهذا المعنى . انظر " معاهد التنصيص " 1 / 308 .
ورواية البيت في " الشعر والشعراء " 1 / 198 لابن قتيبة :
والنَّوك خيرٌ في ظِلا . . . لِ العيش مِمَّنْ عاشَ كدّا
( 1 ) في ( أ ) و ( ف ) مكان قوله " ممكن كما مضى تقريره " بياض .