فإن قيل : فكيف يصح من العبد أن يختار أمراً وذلك الأمر مخلوقٌ لله عز وجل ، والمخلوق لله تعالى كائن قطعاً .
والجواب من وجهين : معارضة وتحقيق ( 1 ) :
الوجه الأول : وهو المعارضة بالعلم الذي تُقِرُّ به المعتزلة ، فإنه يقال لهم : كيف يصح اختيار العبد في معلوم الله تعالى ؟ فما أجابوا به ، فهو جواب أهل السنة .
الوجه الثاني : وهو التحقيقُ أن اختيار العبد سابقٌ لخلق الرب سبحانه سَبْقَ الشرط للعلة المؤثِّرَة كما سيأتي .
وهذا السؤال قد تكرَّر وتكرَّر جوابه ، فلا يُضْجَرُ منه ، فإنه لا يخلو من فائدة أو زيادة وضوحٍ وبيان ، وذلك وإن تكرر وطال خيرٌ من الجهل بمذاهب الرجال .
وقد ذكر الرازي هنا معارضاتٍ للمعتزلة ، قصد بها بيان أن مذهب المعتزلة ليس بأوضح من مذهبهم لاستلزام كل مذهبٍ في هذه المسألة للجبر ونفي الاختيار ، لولا انفصال كل فِرقةٍ عن ذلك بالأنظار الدقيقة والاعتبارات اللطيفة ، وقد مضى شيءٌ من ذلك عند ذكر مذهب المعتزلة أول المسألة .
فإن قيل : إن المؤثِّر في قبح القبائح هو الإرادة ، يوضحه الحديث المتفق عليه وعلى حُكْمِه " إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرىءٍ ما نوى " ( 2 ) والنية :
هامش
( 1 ) عبارة " معارضة وتحقيق " سقطت من ( ش ) .
( 2 ) أخرجه البخاري ( 1 ) و ( 54 ) و ( 2529 ) و ( 3898 ) و ( 5070 ) و ( 6689 ) و ( 6953 ) ، ومسلم ( 1907 ) ، وأخرجه أيضاً مالك في " الموطأ " ص 401 برواية محمد بن الحسن ، والطيالسي في " مسنده " ص 9 ، وأحمد 1 / 25 و 43 ، وأبو داود ( 2201 ) ، والترمذي ( 1647 ) ، والنسائي 1 / 58 - 60 و 6 / 158 - 159 و 7 / 13 ، وابن ماجة ( 2427 ) ، وابن منده في " الإيمان " ( 17 ) و ( 201 ) ، وأبو نعيم في " الحلية " 8 / 42 ، وفي " أخبار أصبهان " 2 / 115 و 222 ، والبغوي في " شرح السنة " ( 1 ) .