ما كان شيئاً حقيقياً ، فهو الذي يختص بقدرة الله تعالى وحدها على قولٍ ، أو بالإعانة منه تعالى على القول الآخر .
وأما قوله تعالى : { وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ } [ القصص : 68 ] فذكر الواحدي في " أسباب النزول " ( 1 ) أنها نزلت جواباً للوليد بن المغيرة حين قال فيما أخبر الله عنه : { وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ } [ الزخرف : 31 ] أخبر تعالى أنه لا يبعث الرسل على اختيارهم ، رواه الواحدي في " أسباب النزول " ونسبه إلى أهل التفسير ولم يَسْتَثْنِ منهم أحداً ، فصار هذا راجحاً ، ولو لم يكن إلاَّ مُحتملاً مرجوحاً ، لكان القاطع مقدماً عليه كيف الضروري . وكذا قال البغوي ( 2 ) ، وقال : هو كقوله : { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ تَكونَ ( 3 ) لَهُمُ الْخِيَرَةُ } [ الأحزاب : 36 ] . انتهى .
وقد ظهر أن هذا من الاختيار الذي هو الاصطفاء والاجتباء والانتقاء ، لا من ( 4 ) الاختيار الذي هو نقيض الاضطرار وليس فيه تأويل ، بل هو من المشترك ،
هامش
( 1 ) ص 229 ، والواحدي : هو العلامة الأستاذ أبو الحسن ، علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي النيسابوري الشافعي ، إمام علماء التأويل ، توفي سنة ( 468 ه - ) . مترجم في " سير أعلام النبلاء " 18 / 339 - 342 .
( 2 ) هو في تفسيره المسمى " معالم التنزيل " 3 / 452 - 453 ، والبغوي : هو الشيخ الإمام العلامة القدوة الحافظ ، شيخ الإسلام محيي السنة ، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي المفسِّر ، صاحب كتاب " شرح السنة " ، المطبوع بتحقيقي في خمسة عشر مجلداً ، توفي سنة ( 516 ه - ) . مترجم في " سير أعلام النبلاء " 19 / 439 - 443 .
( 3 ) هكذا قرأ هذا الحرف غيرُ الكوفيين : بالتاء المثناة من فوق لتأنيث " الخيرة " ، وأما الكوفيون فقد قرؤوها بالياء ، لأن تأنيث " الخيرة " غير حقيقي وهي معنى الخيار ، وحجتهم إجماع الجميع على قوله ( ما كان لهم الخِيَرة ) ولم يثبتوا علامة التأنيث في " كان " . انظر " حجة القراءات " ص 578 ، و " النشر في القراءات العشر " 2 / 348 .
( 4 ) في ( ش ) : لأثر ، وهو تحريف .