المحكم لتصوير مخلوقاته في مقاديرها ، ومنعوا أن يكون له حكمة في أحكامها . ونقل هذا عنهم بعض أهل السنة من غير علمٍ لهم يقابلهم في نفي الحكمة ، وإنما نقلوا عنهم أن الحكيم هو المُحْكِم لأفعاله ، وحَسِبُوا أنهم قالوا ذلك نقلاً عن أهل اللغة كما يفعله أهل تفسير الغريب ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، " إن هذا الدين بدأ غريباً ، وسيعود غريباً كما بدأ " ( 1 ) ، فهذا أوان غرابته .
ألا ترى إلى هذه الطائفة - مع جلالتهم في الإسلام - يُبالغون في إنكار حكمة الله تعالى لما قَصَّرَتْ عن دركها أفهامهم ، ويردونها إلى مجرد الإحكام الذي إذا تجرد عن الحكمة ، كان من أقبح القبائح ، فإن قصائد الكفار ( 2 ) في سبِّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وسب أصحابه رضي الله عنهم أجمعين في غاية الإحكام بالنظر إلى أوضاع اللغة ولطائف المعاني والبيان . وكذلك كتب الزنادقة والفلاسفة في سب الباري سبحانه وتعطيله محكمة التصنيف والترصيف ، فتكون حكمة الله تعالى في جميع مخلوقاته وكتبه ورسله وآياته راجعة إلى مثل ما رجع إليه أحكام السفهاء والجهلاء لقبائحهم وفواحشهم ومخازيهم .
وقد ثبت أن الشيطان الرجيم من العلماء بالله تعالى وصفاته ورسله وشرائعهم ، ولذلك تمكن من الدعاء إلى الباطل ، والصَّدِّ عن الحق ، لأن ذلك لا يتم إلاَّ بعد العلم بهما ، وقد أحكم وسوسته وشيطنته ومكايده . أفيصح أن يُسمَّى ( 3 ) حكيماً لإحكامه لأفعاله القبيحة ؟ ! أو يصح أن يرجع بحكمه من صح وصفه بأن له الحكمة البالغة والحجة الدامغة إلى مثل ذلك .
قال أبو نصر الجوهري في " صحاحه " ( 4 ) : الحُكْمُ - يعني : بضم الحاء - : الحكمة من العلم ، والحكيم : العالم صاحب الحكمة ، والحكيم : المتقِنُ
هامش
( 1 ) حديث صحيح ، وتقدم تخريجه 1 / 225 - 226 .
( 2 ) في ( ش ) : " المشركين " .
( 3 ) في ( أ ) : " يكون يسمى " .
( 4 ) 5 / 1901 - 1902 .