تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 120

مساهمون:

ص١٢٠
وتفسيرها في حديث : " كلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ على الفِطرة ، وإنما أبواه يُهوِّدانِهِ " . الحديث ( 1 ) . وفيه ما تقدم في حديث عائشة وابن عباسٍ من الاحتمال الناشئ من الاشتراك في معنى الخلق ، ويُوضِحُه أن الخلق هنا راجعٌ إلى الفِطْرَةِ . وقد دلَّ حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المتفق على صحته ، أنها العقل القابل للإسلام حتى يخالفه الأبوان ، يوضحه ما تقدم من امتناع تفسير الخلق بإيجاد الأعمال ، لعدم وجودها في ذلك الوقت بالضرورة ، وهذا منتهى ما عَرَفْتُ في هذه المسألة الجليلة . وقد ادعى بعض الفرقتين الأُولَيَيْنِ الإجماع على ما اختاره ، ولم يُسَلِّمْ لهم ذلك الآخرون . والحق عندي في دعوى الإجماع في ذلك من السلف رضي الله عنهم أنه يُمكِنُ أنها صحيحةٌ على وجهٍ دون وجهٍ ، وذلك أن الخلق لفظةٌ مشتركة بين التقدير ويين إيجاد الرب عزَّ وجلَّ للذوات ، ولا شكَّ أن أفعال العباد مخلوقةٌ بالمعنى الأول : أي مُقَدَّرةٌ معلومةٌ مكتوبةٌ ، مقطوعٌ بوقوعها منهم باختيارهم على جهةٍ تُوجِبُ الحجة عليهم وتقطع أعذارهم ، من غير جَبْرٍ ولا سَلْبِ اختيارٍ ، وفي الآثار في ( 2 ) " الجامع الكافي " عن قدماء أهل البيت ما يكفي ويشفي . وأما المعنى الثاني ففي دعوى الإجماع عليه بخصوصه بُعْدٌ كثيرٌ مع شهرة هذا النزاع بين متكلمي أهل السنة ، فكيف بغيرهم من سائر متكلمي أهل الإسلام ؟ ! فكيف بالسلف الذين كانوا أبعد الناس عن الخوض في مثل هذا والتنصيص عليه ؟ ! وسيأتي قريباً كلام القاضي عياض ، والنَّواوي ، وابن الحاجب في اختلاف أهل السنة في ذلك ، مع ما مضى من ذلك .
هامش
( 1 ) تقدم تخريجه في الجزء الثالث ص 387 . ( 2 ) في ( أ ) و ( ش ) : والآثار وفي ، وهو خطأ ، وقد نبَّه على الصواب في ( أ ) بخط مغاير .