أو يكون مفارقاً ( 1 ) له بالجهات ، بدليل أنهم لا يعقلون قسماً ثالثاً أصلاً .
قالوا : فلو جوَّزنا القدح في هذه القضية مع كونها معلومة بالفطرة موافقة لنصوص الكتب المنزَّلة ، جاز القدح في سائر القضايا الضرورية ، وذلك يجرُّ إلى السفسطة ، فإذا كانت هذه الطريقة هي حُجَّته عليهم ، فإنها بعينها هي حجَّتُهم عليه ، فكان في تصحيح قوله بطلانه .
زاد مختار : إنه لا دليل على القديم في الأزل مع وجوب ثبوته فيه ، وهو دليك صحيحٌ ، فهذا من الأدلة العقلية .
ومن الأدلة السمعية ما لا يُحصى ، من ذلك قوله تعالى : { وَيَخلُقُ مَا لا تعلَمُون } [ النحل : 8 ] ، فلو كان ما لا يعلم البشر يجب نفيه ، لوجب أن يستحيل صدور مثل هذا النص الحقِّ عن الربِّ الحقِّ ، ومن ذلك ما ثبث وصحَّ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من طريق ابن عباس : " أن الخَضِرَ قال لموسى ما علمي وعِلمُكَ وعِلْمُ جميع الخلائق في علم الله إلاَّ مثل ما أخذ هذا العصفور من هذا البحر " ( 2 ) ، ويشهد لهذا قوله تعالى : { وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلمِ إلاَّ قَليِلاً } [ الإسراء : 85 ] .
وفي الصَّحيح أيضاً عنه - صلى الله عليه وسلم - ، أنه قال : " لو تعلمون ما أعلمُ ، لضَحِكْتُم قليلاً ولبكيتُم كثيراً " ( 3 ) ، فكيف يصح مع هذا في عقل عاقل أن يكون الجهلُ طريقاً
هامش
( 1 ) في ( ش ) : مقارناً .
( 2 ) أخرجه أحمد 5 / 118 ، والبخاري ( 122 ) و ( 3401 ) .
( 3 ) روى هذا الحديث غيرُ واحد من الصحابة ، رضوان الله عليهم ، فأخرجه من حديث عائشة : أحمد 6 / 81 و 164 ، ومالك 1 / 186 ، والبخاري ( 1044 ) و ( 6631 ) ، ومسلم ( 901 ) ، والنسائي 3 / 132 - 133 و 152 .
وأخرجه من حديث أبي هريرة : أحمد 2 / 257 و 312 - 313 و 418 و 432 و 453 و 467 و 477 و 502 ، والبخاري ( 6485 ) و ( 6637 ) ، والترمذي ( 2313 ) ، والحاكم 5 / 479 ، والبغوي في " شرح السنة " ( 4170 ) ، والقضاعي في " مسند الشهاب " =