تخطي إلى المحتوى الرئيسي

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم — صفحة 397

مساهمون:

ص٣٩٧
وكما قاله العلماءُ في الصلاة في الدار المغصوبة ، وهي من دقائق المسائل ، وقد طَوَّلها الأصوليون وحقَّقُوها في كُتُبهم ، فلا حاجة إلى التطويل بذكرها . على أنا نجدُ الجزم بمحبة قتل كثير من كُبراء المشركين ، وإن كان قاتلُه قَتَله سُمعةً ورياءً ، وإن كُنَّا نكرهُ الرياء والسمعة . ولا يختلف العلماء في صحة ذلك في المحبة والكراهةِ لعدم اتحاد متعلقهما ، وإن اختلفوا في الصلاة في الدار المغصوبة ، فإنما هو لاتحاد محلِّها ومحل المعصية عند من يقولُ بفسادها . ألا ترى أن من يقول بذلك يُجيز محبة العاصي لخَصْلةِ خير مع حُسن كراهته عندهم ، وعلى ذلك قال الله تعالى : { وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ } [ التوبة : 46 ] وذلك لعارض ، وإلا فإنه تعالى يحب الانبعاث مع رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، ولذلك أمر به ، ولكن على غير الوجه الذي اقترن به بانبعاث المنافقين . وكذلك ما حكاه الله عزَّ وجل عن كليمه عليه السلام من قوله : { رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيم } [ يونس : 88 ] مع أنه عليه السلام كان شديد الحرص على إيمانهم حتى استحَقُّوا عظيم العقوبة ، فكره وقوع الإيمان منهم لما يستحقونه من العقوبة ، لا لكون الإيمان حَسَناً في نفسه ، مطلوباً لله تعالى . ومن ذلك قوله : { فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 57 ) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيم } [ الشعراء : 57 - 58 ] مع أن هذا الخروج كان من أقبحِ الذنوب المسخوطة ، لأنه كان لأجل محاربة موسى وأصحابه ، وبنيَّة قتلهم واستئصالهم ، لكنه لما كان الله تعالى قدَّره في سابق علمه لإغراق فرعون وقومه نَسَبَه إلى نفسه الكريمة من هذه الجهة كما ينْسِبُ الأفعال المحبوبة إليه سبحانه وتعالى مع أنه منسوبٌ