شذوذِ العالِمِ بالاختيار ، ما رَسَمْتُ هذِهِ المسألَةَ ، وقد تقدَّم ذِكْرُ تَفَرُّدِ عَلِيٍّ عليه السلام بجواز بيع أمِّ الوَلَدِ ( 1 ) ، وقد ذَكَرَ الأميرُ شمسُ الدِّينِ أنَّ لِعَلِيٍّ عليه السلامُ ما لو يُفْتي بهِ غَيْرُهُ مِنْ أهلِ الأعصارِ المتأخِّرَةِ لنُسِبَ إلى الجَهْلَ .
وقد ذكر السُّبْكي ( 2 ) في " طبقاته " ما شذَّ بِهِ كلُّ عالِم مِمَّنْ ذكره ، فصارَ جواز الشُّذوذِ مُجْمعَاً عليه لِشُهْرَتِهِ ، وَعَدَمِ الِإنكارِ ، فَمُحَرِّمُهُ أقربُ إلى مُخَالَفَةِ الإجماعِ منه إلى مُتَابِعِهِ ( 3 ) ، وَمَنْ عقَدَ الإجماعَ مع مخَالَفَةِ الوَاحدِ ، لم يجْعلْهُ إجماعاً قطعياً ، ولا أثَّمَ ذلِكَ الواحِدَ .
فإن قُلْتَ : وما المُوجِبُ للشُّذوذ وموافقة الجماهير أولى ؟
قلتُ : الموجبُ دليلٌ هو عند المخالِفِ أرجحُ من مُوَافَقَتِهِمْ ، وموافَقَتُهُمْ حسَنَةٌ ، لكنْ إذا حصل ما هو أحْسَنُ مِنْهَا ، كانَ أوْلَى ، مثلُ ما إِنَّ العَمَلَ بالحديثِ حَسَن ، لكِنْ إذا حصل ( 4 ) العَمَلُ بالقرآنِ ، وَلَمْ يُمْكِنِ الجَمْعُ ، كان أحْسَن .
فإنْ قلْتُ : فكيف يَجُوزُ للعالِمِ مِنْ أهلِ البيتِ عليهمُ السَّلامُ أنْ يُخَالِفَ إجماعَ أهْلِهِ ، أو يُخَالِفَ إجماعَ الأمَّةِ ؟
هامش
( 1 ) انظر 1 / 292 .
( 2 ) هو قاضي القضاة تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي الشافعي ولد سنة 727 ه - ، وتوفي سنة 771 ه وكتابه " الطبقات " ترجم فيه لأعلام الشافعية ، رتبه على سبع طبقات ، عقد لأهل كل مئة سنة طبقة ، ويتخلل الترجمة فوائد حديثية وفقهية وتاريخية وأدبية ، وكثيراً ما يذكر في الترجمة الآراء التي ينفرد بها صاحب الترجمة . وقد طبع الكتاب طبعة متقنة محررة بتحقيق الأستاذين الفاضلين : محمود محمد الطناحي ، وعبد الفتاح حلو في عشرة أجزاء ، سنة 1964 م بمطبعة عيسى البابي الحلبي وشركاه بمصر .
( 3 ) في ( ب ) : متابعته .
( 4 ) من قوله " ما هو " إلى هنا ساقط من ( ش ) .