الوجهُ الأولُ : أنَّ مخالَفتَهُ قبل طَلبَ المعارِض وغيرِه تقتضي المضرَّة المظنونَة ، ودفْعُها واجِبٌ ، والطلَب يحتاجُ إلى مُهْلةٍ ، ففي تلك المهلَةِ إمَّا أنْ يُوجبَ مخالفَتَهُ ، أو يُوجبَ العَمَلَ به ، الثاني : هُو المطلوبُ ، والأول يقتضي تحريمَ دفعِ المضَرةِ المظنُونَةِ ( 1 ) عَنِ النَفْسِ ، وهذا عكسُ المعقول ، وقبيح بالضَّرُورة .
وبعد ، فإن الدليل على وُجُوبِ العمل بخبرِ الواحد قائِم قَبْلَ الطلبِ لهذِه الأمور ، وقبل الظنِّ لعدمها ، كما هو قائِمٌ بَعْدَ ذلِكَ .
فإنْ قلتَ : فَهذا يقتضي عَدمَ إيجابِ البَحْثِ عَنِ المُعَارِضِ والنَّاسخِ والمخصِّصِ في حقِّ المجتهدِ .
قلت : هو كذلِكَ ، وفي المسأَلةِ خلافٌ مشهورٌ ، وظاهرُ حديثِ معاذٍ يقتضي عدَم إيجابِ الطَّلَبِ ، وقد مَرَّ كلام الشيخ أبي الحسين في ذلك حين ذكرتُ حديث معاذٍ ( 2 ) ، والاستدلال به على أنَّ الإحاطَةَ بالأخبار لا تجبُ على المجتهد ، وذلِك في المسألة الأولى ، فإنْ دل الدليل على تخصيص المجتَهِدِ بِوُجُوبِ الطلَبِ ، فهو خاصٌّ به ، وإن لَمْ يدُل دليل على ذلِكَ ، فالمسألَةُ نَظَريَّةٌ ولا اعتراضَ فيها على مَنِ ( 3 ) اختارَ أحدَ المذهَبَيْنِ .
قال : ولأن الترجيح بالأخبار اجتهاد ؛ لَأنَّه يَفْتقِرُ إلى أصعبِ عُلُومِ الاجتهادِ ، وهو معرِفَةُ الناسخِ والمنسوخ وغيرِ ذلِكَ ، والفَرْضُ أنَّ هذا الناظِرَ مقلدٌ .
أقول : هذا الاحتجاج ضعيف بمَرَّةٍ ، لأنَّه لا رابطَةَ عقلية بَيْنَ
هامش
( 1 ) " المظنونة " ساقطة من ( ب ) .
( 2 ) انظر 1 / 258 .
( 3 ) في ( ب ) : ما .