مقدمة
أكرم الله الإنسان بالإسلام، وجعله محلاً لخطابه عز وجل وعهد إليه أعظم مهمة يعهدها لمخلوق فشرفه بمعرفته ثم العبادة وجعل هدف خلقته مقصوراً عليها فقال {وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}[1]، وكلفه بعد ذلك بعمارة الأرض واصلاحها[2]، بعد أن سخرها له[3] وخلق ما فيها من أجله[4] ليربح فيها.
كل ذلك جعل الإنسان محل كرامة الله وتفضيله على من عداه من خلقه[5]، فصار آدم أصل البشر قبلة سجود الملائكة.
ذلك التكريم لم يكن خاصاً بصنف معين من نوع الإنسان وإنما كان لصنفيه: ذكره وأنثاه، بشرط الالتزام بالسعي نحو الهدف الذي خلق له هذا الإنسان والعمل الصالح للوصول إليه، ذلك أنه {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}[6].
المشكلة التي حدثت هي الفهم الخاطئ لطبيعة الرسالة السماوية، ذلك الفهم الخاطئ الذي عطّل فكر الرسالة عن الفاعلية في المجتمع وعن تحريك المنتمين إليها، بل سبّب في حالات كثيرة الانفضاض عن تعاليمها وآفاقها الرحبة.
من حصيلة ذلك الفهم الخاطئ، وأحياناً عدم الفهم، أننا وجدنا من يعيد تدوير ثقافة ما قبل الرسالة لتعود في لباس ديني بزعمه، فإذا كانت الرسالة السماوية تدعو إلى التحرير، وجدنا من يدعو إلى العبودية ويلبس تلك الأفكار الجاهلية لَبوس الإسلام، وإذا كانت تدعو إلى المسؤولية والاختيار، وجدنا من يدعو إلى التواكل والجبرية وكل ذاك باسم الدين وآيات القرآن وأحاديث النبي صلى الله عليه وآله، بل وصل الأمر إلى أن تعاد العقائد الجاهلية في موضوع الإيمان بالله في صورة (إسلامية).
هامش
1 سورة الذاريات آية:56
2 {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} سورة هود آية 61.
3 {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ} سورة الحج آية 65.
4 {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً} سورة البقرة آية 29.
5 {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البَرِِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} سورة الإسراء آية 70.
6 سورة النحل آية 97.