والأناجيل التي تعيش اليوم وكانت تعيش بالأمس في ذلك الحين هي كتب ألّفها طلّاب السيّد المسيح على أفضل التقادير « 1 » .
فالرسالة المتمثّلة في الكتاب السماوي قد انطفأت ، والحواريّون كانوا من حيث القلّة والتشتّت والاضطراب الذهني ما يجعلهم غير قادرين على حماية التراث الباقي في أذهانهم من السيّد المسيح ؛ بدليل مراجعة هذه الأناجيل التي كتبوها ؛ فإنّ هذه الأناجيل لا تحمل في الحقيقة إلّا سيرة السيّد المسيح ، هذه الأناجيل أكثر من تسعين بالمئة منها هي سيرة السيّد المسيح مع إبراز الجانب الغيبي والمعاجزي من هذه السيرة في تسعين بالمئة من هذه السيرة .
إذاً : لم يبقَ من السيّد المسيح بعد انتهاء دوره على المسرح حصيلةٌ مضيئةٌ يمكن أن يقام على أساسها - في المدى الطويل وعلى الخطّ الطويل - العملُ النبوي ؛ إذ لم تبقَ إلّا فكرة غائمة غامضة عن إنسانٍ جاء ليصلح ، وقال وعلّم ، ثمّ انتهى . أمّا أنّه : ماذا قال ؟ وكيف انتهى ؟ وماذا خلّف ؟ وما هي شريعته ؟ كلّ هذا بقي غائماً غامضاً .
وبهذا مُلئ بالتدريج بأيدٍ بشريّة ، بالأيدي البشريّة - التي تزعّمت بعد هذا المسيحيّةَ - مُلِئت هذه الفراغات الكبيرة التي تركها السيّد المسيح ، خاصّةً بعد أن أصبحت المسيحيّة رومانيّةً ، ودخلت الإمبراطوريّةُ الرومانيّة في الديانة المسيحيّة رسميّاً أوّلًا ، وشعبيّاً ثانياً « 2 » .
في مثل هذه الحالة أصبحت هذه الفراغات تُملأ بأيدٍ بشرية : أدركت بأنّ
هامش
( 1 ) راجع حول مصادر الأناجيل الأربعة - برواية : مَتّى ، مَرقُس ، لوقا ويوحنّا - وتاريخها : القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم . . دراسة الكتب المقدّسة في ضوء المعارف الحديثة 77 - 106 ؛ تحريف رسالة المسيح ( عليه السلام ) عبر التاريخ . . أسبابه ونتائجه : 213 - 293 .
( 2 ) راجع حول توحّد الإمبراطوريّة الرومانيّة تحت سلطة قسطنطين سنة 324 م وتنصّره : تاريخ الحضارات العام 2 ( روما وإمبراطوريّتها ) : 562 .