ومنطقيّاً ؛ لأنّها لا تشعر بكرامتها .
والإمام الحسين ( عليه السلام ) أراد أن يبدلّ هذه الأخلاقيّة المحطّمة لهذه الامّة ، ويصنع لهذه الامّة أخلاقيّة تنسجم مع القدرة على التحرّك والإرادة حينما كان يقول : « لا أرى [ الموت إلّا شهادة ، ولا ] الحياة مع الظالمين إلّا برماً » « 1 » .
ولم يكن هذا [ القولُ ] شكوى مجرّدة ، بل كان عمليّة تغيير لإيجاد - أو في الواقع لإرجاع - هذه الأخلاقيّة العظيمة التي فقدها كلُّ الناس الذين مشوا تحت شعار : « أعطني وذلَّني » « 2 » .
ب - خذ مثلًا آخر : حبيب بن مظاهر يستأذن من الحسين ( عليه السلام ) ليدعو عشيرته بني أسد للالتحاق بركب الجهاد . ومع معرفة كلّ المسلمين لحبيب في مواقفه الجهاديّة وبياض تاريخه ، في ورعه وتقواه ، أجابه بنو أسد بإخلاء ديارهم والانسحاب جميعاً قبل طلوع الفجر . يرجع حبيب ، يبلّغ الإمام ( عليه السلام ) بهذه النتيجة الأسطوريّة ؛ فبنو أسد كانوا يخشون حتّى من كونهم على الحياد ، فغادروا المنطقة نهائيّاً ، ولم يكن جواب الشهيد الممتحن ( عليه السلام ) إلّا أن قال : « لا حول ولا قوّة إلّا بالله العظيم » « 3 » .
هذا السكون في الضمير ، هذه الهزيمة المأساة هي مرض الامّة الذي انبعث إمامكم العظيم ليعالجه . كانت الامّة تشفق على علفها الرخيص ، على أنفاسها التي تصعد في ذلّ وحرمان وقد لا تنزل . أمّا الشفقة على الوجود الكلّي ، على الكيان والعقيدة ، فلم تمرّ بخواطر الدمى أبداً ؛ لأنّها تكلّف غالياً .
كلّ هذه المظاهر دليلٌ على ما وصلت إليه الامّة من انحلال .
هامش
( 1 ) تاريخ الأمم والملوك ( الطبري ) 404 : 5 .
( 2 ) في النسخة الخطيّة حذفت عبارة : « تحت . . ذلَّني » ، ووُضعت مكانها كلمات متقطّعة : « في الشارع الطويل ، شارع طويل ، نعمة الهوان ، ثمرتها العافية » ، فأثبتنا المحذوف ؛ لكونه أوضح .
( 3 ) الفتوح 90 : 5 - 91 .