والفقه قيمين بالأصول وعارفين بها ، فإذا شككنا في حالهم وجب اعتبار أقوالهم لجواز أن يكون الامام في جملتهم .
والذي يجب أن يراعى أقوالهم فيه هو : كل شيء لا يصح أن يعلم الا من جهة السمع ، لان ما لا يعلم وجود قبل حصول العلم به لا يصح أن يعلم بقول الأمة التي قول المعصوم داخل فيها وذلك مثل التوحيد ، والعدل ، وجميع صفات القديم ، لان العلم بان هاهنا معصوما يفتقر إلى تقدم هذه العلوم ، ومتى لا يقدم لا يمكننا ان نعلم أن هاهنا معصوما ، لان ذلك فرع على حكمة اللّه تعالى وعدله ، وانه لا بد ان يزيح علة المكلفين بنصب رئيس لهم معصوم ، وذلك لا يمكن أن يعلم بالإجماع على حال .
[ الصفحة 634 ]
وأما « 1 » النبوة فقد كان يصح أن يعلم بإجماع الأمة الذين قول المعصوم داخل في جملتها ، لان ذلك [ لا ] يفتقر « 2 » إلى العلم بالنبوة ، لأنا إذا علمنا أن اللّه تعالى حكيم وعدل لا بد أن نعلم أنه يزيح علة المكلفين في التكليف بنصب رئيس معصوم لهم ليكونوا متمكنين مزاحي العلة فيما كلفوه ، فإذا علمنا ذلك ، واجمعوا على نبوة شخص ، يعلم بإجماعهم نبوته .
فان قيل : كيف يصح هذا القول والامام عينه الا بنص الرسول صلّى اللّه عليه وآله ، لان اللّه تعالى يعلمه ذلك بالوحي والامام لا يوحى إليه ، فيعلم انه امام ، فكيف يدعى انه امام ، وكيف يعلم صحة دعواه ؟ .
قيل له : اما العلم بكونه اماما ، فقد يحصل لنا العلم المعجز الذي يظهره اللّه تعالى على يده ، يتضمن تصديقه فيما يدعيه ويدعى هو انه الامام المعصوم الذي لا يخلو الزمان منه ، واظهار المعجزات يجوز عندنا على الأئمة والصالحين أيضا ، وقد دللنا على ذلك في كتاب ( تلخيص الشافعي ) . « 3 »
فأما الامام نفسه فإنما يعلم كونه اماما - إذا كان ممن لا يوحى إليه على ما « 4 » في السؤال - بقول نبي يتقدمه ، ثم ينص هو على من بعده ، وكذلك في مستقبل الأوقات ، فإذا اجمعوا على قول كان معصوم العصر فيه على نبوة نبي آخر علم صحة نبوته ، ولا يحتاج إلى علم معجز ، بل كان ذلك كافيا
هامش
( 1 ) فأما .
( 2 ) في الأصل : يفتقر ، والصحيح ما أثبتناه .
( 3 ) تلخيص الشافعي 1 : 132 - 136 .
( 4 ) في الحجرية : زيادة قرر .