يحمل ذلك على أنه إيجاب لاتباع من أظهر الإيمان ، وليس كل من أظهر الإيمان كان مؤمنا ؟ ! .
فإن ادعوا أن هذه اللفظة تجري على من أظهر الإيمان حقيقة ، واستدلوا عليه بقوله تعالى :
فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ، *
وقوله عز وجل :
إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ ،
طولبوا بالدلالة على ما ادعوه ، فإنه يتعذر عليهم .
والآيتان اللتان ذكروهما إنما علمنا أن المراد بهما من أظهر الإيمان بدلالة ، والظاهر يقتضي خلاف ما حملناهما عليه .
وأيضا فإن الآية تضمنت حظر اتباع غير سبيل المؤمنين ، ولم يجر لسبيل المؤمنين ذكر ، ودليل الخطاب غير صحيح عندنا وعند أكثرهم ، فلا يجوز الرجوع إليه في هذه الآية .
[ الصفحة 610 ]
وليس لأحد أن يقول : إن المراد بلفظة
( غَيْرَ )
هيهنا الاستثناء ، كأنه قال : ( لا تتبع إلا سبيل المؤمنين ) ، كما يقول أحدنا لغيره : ( لا تأكل غير هذا الطعام ) ، أي لا تأكل إلا هذا الطعام ، و : لا تلق غير زيد ، الذي يفهم منه إيجاب لقائه . وذلك أن لفظة
( غَيْرَ )
هي بالصفة أحق منها بالاستثناء ، وإنما استثني بها في بعض المواضع تشبيها لها بلفظة ( إلا ) ، كما وصفوا في بعض المواضع بلفظة
( إِلَّا ) *
تشبيها لها بغير .
وبعد ، فلو احتملت لفظة
( غَيْرَ )
الصفة والاستثناء احتمالا واحدا ، وليس الامر كذلك ، لكانوا يحتاجون في حملها على الاستثناء دون الصفة إلى دلالة .
والذي يبين الفرق بين ما جمعوا بينه أنه يحسن أن يقول أحدنا لغيره : ( لا تأكل غير هذا الطعام ولا هذا الطعام ) ولا يجوز أن يقول : ( لا تأكل إلا هذا الطعام ولا تأكل هذا الطعام ) .
[ الصفحة 611 ]
فإن قيل متى لم يتبع غير سبيل المؤمنين ، فبالضرورة لا بد من كونه متبعا لسبيلهم فحظر أحد الامرين إيجاب للآخر . قلنا : ليس الامر كذلك ، لأنه قد يجوز أن يحظر عليه اتباع سبيل كل أحد ، ويلزم التعويل على الأدلة ، لان المفهوم من هذه اللفظة أن يفعل المتبع الفعل لأجل فعل المتبع ، وقد يمكن أن ينهى عن ذلك كله .
وأيضا فليس يخلو قوله تعالى
( الْمُؤْمِنِينَ )
من أن يريد به المستحقين للثواب ، والذين باطنهم في الإيمان كظاهرهم ، أو يريد به من أظهر التصديق والإيمان ، وإن جاز في الباطن أن يكون بخلافه ، فإن كان الأول ، فالظاهر يقتضي تناول اللفظة لجميع المؤمنين إلى أن تقوم الساعة ، فكيف يحملونها على