نار ، فهذا معناه : تحقّق الغليان صدفة ، وليس معناه : أنّ الغليان كان اختياريّاً للماء ؛ لأ نّه وجد بلا علّة ؛ فإنّ هذا غير ما يراه العقل اختياراً .
المسلك الثالث : ما قد يتفصّى به أيضاً بعض المحدّثين ، وحاصله : أنّ الكائنات التي تعيش في ظلّ هذه الطبيعة نرى أنّها مختلفة في مقدار تحديد الطبيعة لها في مجال سيرها ، فمثلًا الحجر الذي قذف به إلى أعلى يكون مجال سيره محدّداً مِائة بالمِائة ومن جميع الجهات ، فقد فرض عليه أن يسير إلى أعلى بنحو مخصوص وإلى حدّ معيّن إلى أن تنتهي قوّة الدفع ، فيرجع إلى أسفل محدَّداً أيضاً سيره من جميع الجهات بحيث يمكن التنبّؤ بالدقّة عن حال صعوده ونزوله ، وتعيين وضعه في السير صعوداً ونزولًا بالضبط ، هذا حال الحجر . وأمّا الحيوان الذي يضرب بحجر فيفرّ ، فالطبيعة لم تحدّد له سيره تحديداً كاملًا ، بل له عدّة فرص ، ولذا لا يتاح لنا بالدقّة التنبّؤ بأ نّه من أيّ جهة سيهرب ؟ وأكثر منه فرصةً الإنسان ؛ وذلك لأمرين :
الأوّل : أنّ ميوله وغرائزه أكثر تعقيداً وأشدّ من الحيوان ، فمثلًا بينما الحيوان يفرّ حينما يرى الحجر متوجّهاً إليه قد يميل الإنسان إلى أن يقف ويتلقّف الحجر .
والثاني : أنّه أوتي عقلًا يحكّمه في أفعاله ويلحظ المصالح والمفاسد .
وهذه الفرص كلّها تصعّب التنبّؤ بما سوف يفعل ، والاختيار ينتزع من هذه الفرصة التي تعطيه الطبيعة .
وهذا الكلام وإن صدر من جملة من الفلاسفة المحدثين إلّاأنّه لا يرجع إلى محصّل ؛ إذ مرجعه إلى أنّ الاختيار أمر وهميّ ؛ إذ كون الفرصة في الإنسان أكثر منها في الحيوان ، وفيه أكثر منها في الحجر ، فتمنع الفرصة عن التنبّؤ مرجعه إلى عدم الاطلاع للمتنبّئ على كلّ الخصوصيّات الدخيلة في تصرّف الإنسان أو الحيوان لشدّة تعقيدها ، وهذه الفرصة انتزعت وهماً من هذه الخصوصيّات
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الأول ) — صفحة 77
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٧٧