إنّ موضوع هذا البحث ليست هي المقدّمة الوجوبيّة ، بل هي المقدّمة الوجوديّة .
والفرق بينهما من حيث عالم الجعل : أنّ الوجوب مقيّد ومشروط بالأولى دون الثانية ، ومن حيث عالم الملاك : أنّ الأولى لها دخل في أصل كون الفعل ذا مصلحة واحتياج الإنسان إليه ، بينما الثانية يكون دخلها في تحصيل المصلحة وإشباع حاجة الإنسان ، فمثلًا مجيء أيّام البرد مقدّمة وجوبيّة للحكم بالتدفئة بالنار ؛ إذ قبلها لا مصلحة في التدفئة ولا حاجة للإنسان إليها بينما سدّ المنافذ المانعة عن الدفء مقدّمة وجوديّة للتدفئة بالنار ؛ إذ به يتمّ تحصيل المصلحة وتشبع حاجة الإنسان ، ووجوب التدفئة مثلًا مشروط بمجيء أيّام البرد ، وليس مشروطاً بسدّ المنافذ ، وبما أنّ الوجوب مقيّد ومشروط بالمقدّمة الوجوبيّة فمن الواضح : أنّه لا يترشّح الوجوب على نفس المقدّمة والشرط ، فإنّه لولاها لما كان العبد ملزماً بشيء ، فالبحث إنّما هو حول المقدّمة الوجوديّة .
هذا حال موضوع البحث .
وأمّا محموله ، فليس عبارة عن اللابدّيّة التكوينيّة للمقدّمة في مقام الحصول على ذي المقدّمة ، فإنّ هذه هي معنى المقدّميّة ، ولا عبارة عن اللابدّيّة العقليّة ، بمعنى عدم صحّة الاعتذار عن ترك ذي المقدّمة بعدم المقدّمة ، فيقول : أنا ما صلّيت لأ نّني لم أتوضّأ ؛ فإنّ ذلك واضح بالضرورة ، وليس فيه أيّ نقاش أو خلاف ، ولا عبارة عن الوجوب المولويّ المجعول بالجعل الفعليّ ؛ فإنّه موقوف على
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الأول ) — صفحة 347
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٣٤٧