السامع إلى مقصود المتكلّم ، وهذا المقدار من الترقّب والشأنيّة محفوظ في موارد الإجمال ، كما هو محفوظ في المقام أيضاً ، فالاستعمال إذن في المعنى المجازيّ ليس غلطاً حتّى مع عدم التعهّد والوضع الخاصّ ، غاية الأمر أنّه ليس للّفظ دلالة تصديقيّة تامّة على المعنى المجازيّ ؛ لعدم التلازم بسبب عدم التعهّد . وبهذا يختلف - بقطع النظر عن أيّ وضع للمجاز - استعمال كلمة « أسد » في الرجل الشجاع واستعماله في الماء ؛ فإنّ الثاني غلط دون الأوّل . وأمّا الدلالة التصديقيّة فبعد أن وضّحنا عدم كون الاستعمال المجازيّ غلطاً ، ولو لم يكن تعهّد ووضع خاصّ ، قلنا :
إنّ من الواضح - سواء فرض وجود تعهّد وضعيّ في حقّ المجاز أو لا - : أنّ هناك تعهّداً من قبل كلّ إنسان عرفيّ بأن لا يصدر عنه الغلط في الاستعمال ، وهذا تعهّد غير التعهّدات الوضعيّة ، وحينما نضمّ هذا التعهّد إلى القرينة الصارفة عن المعنى الحقيقيّ يتحقّق ملاك الدلالة التصديقيّة على الرجل الشجاع ، فإنّ المتكلّم إذا قال :
« رأيت أسداً يرمي » فكلمة « أسد » إمّا أن تكون مستعملة عنده في الحيوان المفترس ، أو في الماء مثلًا ، أو في الرجل الشجاع ، والأوّل منفيّ بالقرينة ، والثاني منفيّ بتعهّد الإنسان العرفيّ بعدم القيام باستعمال مغلوط عرفاً ؛ لوضوح : أنّ استعمال كلمة « أسد » في الماء بدون وضع وتعهّد وضعيّ لذلك غلط عرفاً ، فيتعيّن أن يكون المراد هو الرجل الشجاع ، وبذلك تحصل الدلالة التصديقيّة للّفظ على المعنى المجازيّ بلا حاجة إلى وضع تعهّدي بالنحو المدّعى .
مباحث الأصول تقريرا لأبحاث السيد محمد باقر الصدر ( القسم الأول ) — صفحة 231
مساهمون: السيد كاظم الحسيني الحائري
ص٢٣١