تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار الآيات — صفحة 51

مساهمون:

ص٥١
نفسه وهو محال . فقد ثبت أن الأول تعالى لكونه بسيط الحقيقة يجب أن يكون كل الأشياء الوجودية على وجه أعلى وأشرف ولهذا ورد من الأذكار الشريفة « يا هو يا من هو يا من لا هو إلا هو » فإذا كان هذا هكذا فجميع الموجودات آثار ذاته فلا قدرة بالحقيقة إلا قدرته كما لا وجود إلا لمعة من وجوده . وكما لا ينافي كونه أصل الوجود تعدد الموجودات المصحوبة بالنقائص والإمكانات كذا لا ينافي كونه مؤثرا في جميع المقدورات ثبوت الوسائط من القادرين بينه وبين المقدورات فإن الإيجاد كالوجود مترتب ذو درجات ومراتب بعضها أعلى وبعضها أدون قال تعالى : « أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّه ُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ » وقال : « هُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِله ٌ وَفِي الأَرْضِ إِله ٌ » وقال : « هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ » وقال : « أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَه ُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ » وقال : « أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ » إشارة إلى أن الأفعال المنسوبة إلى القوى المؤثرة كالمصورة في تصوير الأعضاء وتشكيلها وكالماء والنار في التسخين والتبريد وكالإنسان في أفاعيله الصادرة عنه وغير ذلك كلها بالحقيقة صادرة عنه تعالى واقعة بتأثيره مع كمال وحدانيته وفردانيته فكل ما هو مقدور ومجعول لفاعل فهو من حيث صدوره عن ذلك الفاعل صادر عن الحق تعالى كما أن وجود كل ممكن من حيث وجوده شأن من شؤون الحق ووجه من وجوهه ولذلك نسب الأفعال إليه تعالى من حيث نسب إلى مباديها المباشرة لها كما في قوله : « قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ » وقوله : « وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى » وقال أيضا : « وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ » وفيه دلالة على أن الوجود كله خير لكن الخيرات متفاوتة بعضها أشد وبعضها أضعف فبعضها خير محض لا يشوبه شر بوجه من الوجوه أصلا وبعضها مشوب بشر أو شرور قليلة أو كثيرة بالإضافة فالخير الذي في عالم الجسم ليس مثل الخير الذي في عالم الروح بل عالم الأمر خير كله وعالم الخلق لا يخلو من شر أو شرور ومع ذلك خيره غالب على شره لأن وجوده خير وعدمه شر