تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسرار الآيات — صفحة 99

مساهمون:

ص٩٩
آيات القرآن يجد أعيان العالم وصور الكائنات متبدلة وتعيناتها متزايلة مترادفة خلقا بعد خلق سيالة طورا بعد طور إلى طريق الآخرة ولهذا سمى اللَّه تعالى هذا الكون الدنياوي لهوا ولعبا لأن أكوانها متبدلة كالحركة والمتحرك بما هو متحرك شأنه التأدي إلى أمر آخر فإذا نظر إليه مع قطع النظر عما يؤول إليه كان لهوا وعبثا باطلا . وأما الدار الآخرة فلكون وجودها ووجود ما فيها وجودا علميا وصورة إدراكية بالفعل وكل صورة إدراكية بالفعل وجودها عين الحياة فلا محالة كلما في الآخرة حيوان محض حياته عين ذاته ليست كأبدان هذا العالم التي حياتها عارضة لها واردة عليها من خارج فهي لا محالة ميتة في ذاتها تقبل صفة الحياة من الأرواح النفسانية المتعلقة بها . وأما أجساد الآخرة وأشكالها فهي بعينها النفوس المتصورة بتلك الصور بحسب ملكاتها وأخلاقها المكتسبة فالجسد والنفس هناك شيء واحد كما يتضح لك في عالم المعاد وحشر الأجساد إن شاء اللَّه . وقوله في الروم : « ما خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ » أي بما عند اللَّه من حقائقها العلمية وصورها العقلية كما أثبتها الأقدمون من الحكماء كأفلاطون ومن قبله وأجل مسمى أي بحسب وجودها الطبيعي الكوني لما علمت مرارا أن هذا الوجود زماني متدرج في الكون والتدرج في الكون لغاية طبيعية لا محالة فينقطع بالضرورة لدى الغاية وتلك الغاية إن كانت من الأكوان الخلقية فيعود الكلام إلى غايتها أيضا فأما أن يكون لكل غاية غاية ذاتية إلى ما لا نهاية ففي ذلك إبطال للغاية إذا كان الكل أوساطا وإثبات للعبث والجزاف في خلق هذا العالم أو ينتهي إلى غاية خارجة عن هذه الأكوان الخلقية وهو المطلوب . فغاية الأكوان الخلقية أكوان عقلية ينتهي الأمر إليه وقوله : « اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُه ُ ثُمَّ إِلَيْه ِ تُرْجَعُونَ » أي يوجدهم في عالم الخلق والتقدير والمساحة . وإنما أتى بصيغة المضارع لما علمت أن وجود كل خلق مسبوق بعدم زماني ثم يعيدهم إلى عالم الآخرة ثم إليه ترجعون بفناء