الورع فحيّ هلا بذي النون : وكان رجلا نحيفا تعلوه حمرة ليس بأبيض اللحية . وشيخه في الطريقة شقران العابد . ومن كلامه : إذا صحّت المناجاة بالقلوب استراحت الجوارح . وقال إسحاق بن إبراهيم السّرخسي : بمكة سمعت ذا النون يقول وفي يده الغلّ وفي رجليه القيد وهو يساق إلى المطبق والناس يبكون حوله وهو يقول : هذا من مواهب اللّه ومن عطاياه وكل فعاله عذب حسن طيب وأنشد : [ من الخفيف ]
لك من قلبي المكان المصون * كلّ لوم عليّ فيك يهون
لك عزم بأن أكون قتيلا * فيك ، والصّبر عنك ما لا يكون
قال القاضي شمس الدين أحمد بن خلّكان رحمه اللّه تعالى : وقفت في بعض المجاميع على شيء من أخبار ذي النون المصري رحمه اللّه فقال :
إن بعض الفقراء من تلامذته فارقه من مصر وقدم بغداد فحضر بها سماعا فلما طاب القوم وتواجدوا أنشد المغنّي أبيات ابن التّعاويذي « 1 » : [ من البسيط ]
سقاك سار من الوسميّ هتّان
إلى أن قال منها :
بين السّيوف وعينيه مشاركة * من أجلها قيل للأغماد أجفان
قام ذلك الفقير ودار واستمع وصرخ ووقع فحركوه فوجدوه ميتا فوصل خبره إلى شيخه ذي النون فقال لأصحابه : تجهّزوا حتى نمشي إلى بغداد فلمّا فرغوا من اشغالهم خرجوا إليها فقدموا عليها وساعة قدومهم البلد قال : ائتوني بذلك المغنّي فأحضروه إليه فسأله عن قصته مع ذلك الفقير فقصّ عليه قصّته فقال له : أنشد ذلك الشعر ، وشرع هو وجماعته في الغناء بذلك الشعر فلمّا ذكر البيت فعند ابتدائه صرخ الشيخ على ذلك المغنّي فوقع ميتا فقال الشيخ :
هامش
( 1 ) القصيدة في ديوانه 416 ، قال مهنئا بعيد الفطر سنة 581 ومادحا للإمام الناصر لدين اللّه أحمد بن المستضيء وتتمة البيت :* ولا رقت للغوادي فيك أجفان* والبيت الثاني هنا هو الرابع عشر في القصيدة .