إذا افترّ جنح الليل عن مبسم الفجر * ولاح به ثغر من الأنجم الزّهر
وفاحت له من عابق الروض نفحة * رشفنا به برد الرضاب من الخمر
وعهدي بوجه الأرض مبتسما فلم * تغرغر فيها الدمع في مقل العذر
إذا رجف « 1 » الماء النسيم لوقته * كساه شعاع الشمس درعا من التبر
وبحر الرياض الخضر بالزهد مزبد * كأنّا به في فلك مجلسنا نسري
ومن شهب الكاسات بالنجم نهتدي * إذا تاه ساري العقل في لجّة السكر
نصون الحميّا في القناني وإنما * نصون القناني بالحميّا ولا ندري
ولما حكى الرّاووق في العين شكله * وقد علّق العنقود في سالف الدهر
تذكّر عهدا بالكروم فكله * عيون على أيام عصر الصّبا تجري
عجبت له والرّاح تبكي به فلم * غدت بحباب الكأس باسمة الثغر
إذا ما أتاني كأسها غير مترع * تحققت عين الشمس في هالة البدر
يناولنيها فاتر اللحظ أغيد * فلله ذاك الأغيد المخطف الخصر
ينادمنا نظما ونثرا ولفظه * ومبسمه يغني عن النظم والنثر
فلم يسقني كأس المدامة دون أن * سقاني بعينيه كئوسا من السحر
وقال وفرط السّكر يثني لسانه * إلى غير ما يرضي التقى وهو لا يدري
ردوا من رضابي ما ينوب عن الطّلا * إذا كان وجهي فيه مغن عن الزهر
ومن كان لا تحوي ذراعاه مئزري * فدون الذي تحوي أنامله خصري
قلت . قوله ولمّا حكى الرّاووق البيتين يشبه قول الآخر في النّار : [ من الطويل ]
كأن نضيد الفحم خوف شراره * إذا النار مسّت جلده فتلوّنا
تذكّر أيام السحاب الذي جرى * بمنبته لما تأوّد أغصنا
فأنبت منه الآبنوس بنفسجا * وأثمر عنّابا وأورق سوسنا
هامش
( 1 ) في الفوات : أرجف .