ذات رأي وشهامة ، قد وليت « 1 » الملك مدة شهرين أو أكثر ، وخطب لها على المنابر . وبقي الملك بعده في مواليه الأتراك إلى اليوم . ودفن بتربته الصالحية التي بين القصرين التي فيها تدريس الأربعة « 2 » مذاهب ، ودفن إلى ما يختص بالمالكية ، ولذلك قال فيه ابن السنينيرة « 3 » الشاعر ( من الطويل ) :
بنيت لأرباب العلوم مدارسا * لتنجو بها من هول يوم المهالك
وضاقت عليك الأرض لم تلق منزلا * تحلّ به إلّا إلى جنب مالك
وقال جماعة من أمرائه : « واللّه ما نقعد على بابه إلّا ونقول من هاهنا نحمل إلى الجباب » . وكان إذا حبس إنسانا نسيه ، ولا يتجاسر أحد على مخاطبته فيه . وكان يحلف أنه ما قتل أحدا بغير حقّ ، وهذه مكابرة ظاهرة لأن خواصّ أصحابه حكوا أنه لا يمكن إحصاء من قتله من الأشرفية وغيرهم ، ولو لم يكن إلا قتل أخيه العادل . وكان قد نسّر مخرجه وامتد إلى فخذه اليمنى ورجله ، وكان يركب في محفة ، وهو يتجلّد ولا يطلع أحدا على حاله .
ولما عمر قلعة الجزيرة بمصر ، قال سيف الدين ابن قزل المشدّ « 4 » ( من الكامل ) :
يا أيّها الملك المؤيّد عزمه * انظر إلى البحرين يلتقيان
أنشأت بينهما الجزيرة برزخا * لا يبغيان سوى لقا « 5 » السّلطان
وفيه يقول الصاحب جمال الدين بن مطروح « 6 » ( من الرجز ) :
هامش
( 1 ) أ : فدولبت .
( 2 ) أ : الأربع .
( 3 ) عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن عمر بن أبي القاسم ، جمال الدين الواسطي المعروف بابن السّنينيرة ؛ شاعر مشهور ، توفي سنة ست وعشرين وستمائة ( فوات الوفيات 2 : 298 ) .
( 4 ) الأمير الشاعر سيف الدين أبو الحسن عليّ بن عمر بن قزل بن جلدك التركماني المعروف بالمشد ( 602 - 656 ه ) ، له ترجمة في الفوات : 3 : 51 وفي النجوم الزاهرة : 7 : 64 .
( 5 ) أ : لقى .
( 6 ) البيتان غير موجودين في ديوان ابن مطروح .