لم ترض ، فعاملته بذلك . وقال له : لك سالف خدمة فاختر أيّ قتلة تحبّ أن أقتلك ، قال : أختار أن تطعمني اللحم المكبّب وتسقيني الشراب العتيق حتى أسكر وتفصدني في يدي ، ففعل به ذلك . وظن أحمد أن دمه إذا انقطع مات في الحال بغير ألم ، فانعكس عليه ذلك فنزف دمه وبقي معه بقية وغلبت عليه الصفراء وصار كالمجنون يضرب برأسه الحيطان ويصيح ويستغيث لفرط الألم ويعدو في محبسه ساعات كثيرة ، فبلغ ذلك المعتضد فقال : هو الذي اختار هذا .
وكان لأحمد مجلس يجتمع إليه الناس ويبحثون معه ، فسأله يوما المعتضد عمّا جرى له في ذلك المجلس ، فقال : يا أمير المؤمنين مرّ بي فيه اليوم أمر ظريف ، دخل إليّ في جملة الناس رجل لا أعرفه ، له رواء وهيبة وتوسمت أنّه من أهل المعرفة وقعد لا ينطق من أول المجلس إلى آخره ، فلمّا انصرف الناس لم ينصرف فقلت له : ألك حاجة ؟ قال : نعم تخلي لي نفسك ، فأبعدت غلماني وبقيت وحدي ، فقال : أنا رجل أرسلني اللّه إلى هذا البشر ، وقد بدأت بك لفضلك وأمّلت أن أجد عندك معونة ، فقلت له : يا هذا أما علمت أني مسلم أعتقد أنه لا نبوة بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ؟
فقال : علمت ذلك ، وما جئتك إلّا ببرهان ومعجزة ؛ هل لك في الوقوف على معجزتي ؟ فأردت أن أعلم كلّ ما عنده ، فقلت له : هاتها ، فقال :
تحضرني سطلا فيه ماء ، فأحضرت ذلك ، فأخرج من كمه حجرين أصمّين أشد ما يكون من الحجارة فقال : خذهما ، فأخذتهما فقال : ما هما ؟ فقلت :
حجران ، فقال لي : رم كسرهما ، فرمت ذلك فتعذّر لشدة صلابتهما ، فقال : ضعهما بيدك في السطل وغطّه بمنديل ، ففعلت من حيث لم يتولّ هو شيئا من الأمر ولا قرب من السطل ، وأقبل يحدثني فوجدته ممتعا كثير الحديث سديد العبارة حسن البيان صحيح النقل لا أنكر منه شيئا ؛ فلمّا طال الأمر قلت له : فأي شيء بعد هذا ؟ فقال : أخرج لي الحجرين ، فكشفت
الوافي بالوفيات ( دار صادر ) — صفحة 6
مساهمون: خليل الصفدي
ص٦