زكت في صنيعها ، فنفث روح القدس في روعها ، فسلكت سبل البيان ذللا ، وعدمت مماثلا فأصبحت في أبناء المعالي مثلا ، وسرت إلى حوز المعاني فقسم لها واهب النّعم أشرف الأقسام ، فجادت في الإنفاق ، ولم تمسك خشية الإملاق ، وقيدت نفسها في طلق الطاعة فجاءها توقيع التفضل على الإطلاق :
ابن لي مغزاها أخا الفهم إنّها * إلى الفضل تعزى أم إلى المجد تنسب
هي الشمس إلا أنّ فكرك مشرق * بإبدائها عندي وصدري مغرب
وقد أبدعت في فضلها وبديعها * فجاءت إلينا وهي عنقاء مغرب
فأعرب عن كلّ المعاني فصيحها * بما عجزت عنه نزار ويعرب
ومذ أشرقت قبل التناهي بأوجها * عفا عن سناها بدر تمّ وكوكب
تناهت علاء والشّباب رداؤها * فما ظنكم بالفضل والرأس أشيب
لئن كان ثغري بالفصاحة باسما * فثغرك بسّام الفصاحة أشنب
وإن ناسبتني بالمجاز بلاغة * فأنت إليها بالحقيقة تنسب
ومذ وردت سمعي وقلبي فإنّها * لتؤكل حسنا بالضمير وتشرب
وإنّي لأشدو في الورى ببيانها * كما ناح في الغصن الحمام المطرّب
ويشهد أبناء البيان إذا انتدوا * بأنّي من قسّ الفصاحة أخطب
وإنّي لتدنيني إلى المجد عصبة * كرام حوتهم أوّل الدهر يثرب
وإنّي إذا خان الزّمان وفاءه * وفيّ على الضرّاء حرّ مجرّب
إباء أبت نفسي سواه وشيمة * قضى لي بها في المجد أصل مهذب
ونفس أبت إلا اهتزازا إلى العلى * كما اهتز يوم الروع رمح ومقضب
ولي نسب في الأكرمين تعرفت * إليه المعالي وهو غرثان مخصب
نمته أصول في العلاء أصيلة * لها المجد خدن والسيادة مركب
تلاقى عليه المطعمون تكرّما * إذا احمرّ أفق بالمجرّة مجدب
من اليمنيين الذين سما بهم * إلى العزّ بيت في العلاء مطنّب