أحد حتى أتى بالمعتزّ فلمّا رآه قام له وسلّم على المعتزّ بالخلافة وجلس بين يديه ، وجيء بالشهود فشهدوا على المعتزّ أنّه عاجز عن الخلافة فاعترف بذلك ومدّ يده فبايع المهتدي باللّه وهو ابن عمّه فارتفع المهتدي حينئذ إلى صدر المجلس وقال : لا يجتمع سيفان في غمد ، وكان أسمر رقيقا مليح الوجه ورعا متعبدا عادلا قويّا في أمر اللّه بطلا شجاعا لكنه لم يجد ناصرا ولا معينا على الخير ، وكان يلبس في الليل جبّة صوف وكساء ويصلّي فيهما ، ويفطر في رمضان على خبز نقيّ وملح وخلّ وزيت ويقول : فكرت في أنه كان في بني أميّة عمر بن عبد العزيز - وكان من التقلّل والتقشّف على ما بلغنا - فغرت على بني هاشم وأخذت نفسي بذلك ، وكان اطّرح الملاهي وحرّم الغناء وحسم أصحاب السلطان عن الظلم وكان شديد الإشراف على أمر الدواوين ، ثم إن الأتراك خرجوا عليه وحاربهم بنفسه وجرح فأسروه وخلعوه ثم قتلوه سنة ست وخمسين ومائتين ، قال العمراني : إن الأتراك عصروا خصاه حتى مات وبايعوا أحمد بن المتوكل ولقّبوه المعتمد على اللّه في سادس عشر رجب ، فكانت خلافة المهتدي سنة إلا خمسة عشر يوما ، جلس يوما للمظالم فاستعداه رجل على ابن له فأحضره وحكم عليه بردّ الحقّ للرجل فقال الرجل : أنت واللّه يا أمير المؤمنين كما قال الأعشى « 1 » :
حكّمتموه فقضى بينكم * أبيض مثل القمر الزاهر
لا يقبل الرّشوة في حكمه * ولا يبالي غبن الخاسر
فقال المهتدي : أمّا أنا فما جلست هذا المجلس حتى قرأت : ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبّة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين « 2 » ، قال الإسكافي : فما رأيت باكيا أكثر من ذلك اليوم ، ومدحه البحتري بقصيدة أولها :
هامش
( 1 ) ديوان الأعشى ميمون ص : 105 ( 18 : 22 - 23 ) .
( 2 ) سورة 21 : 47 .