السبت ثامن عشر ذي القعدة سنة أربع وأربعين وسبع مائة ، وكان رحمه اللّه شديد الورع متحرّزا في دينه محتاطا لنفسه ، درّس بالركنية والشركسية حكى لي بعض فقهاء المدرسة الركنية أنه كان لا يتناول منها ما للمدرّس فيها من الجراية ويقول : تركي لهذا مقابلة على أني ما يتهيّأ لي فيها الصلوات الخمس ، وكان سديد الأحكام بصيرا بمواقع الصواب فيها ، وكنت قد كتبت إليه رحمه اللّه تعالى في شهر رمضان سنة أربع وأربعين وسبع مائة :
تقي الدين يا أفضى البرايا * ويا ربّ النهى والألمعيّه
ويا من راح أثنيتي عليه * تضوع كمثل فطرته الذكيّه
أهزّ إليّ منك بجذع علم * فوائده تساقط لي جنيّه
لأنّك لا تسامى في علوم * نزلت بها منازلك العليّه
ونظمك نظم مصريّ طباعا * حلاوته لذلك قاهريّه
ودأبك فتح باب النصر حقّا * وغيرك شغله بالباطليّه
أفدنا إنّنا فقراء فهم * لما تملي فضائلك الغنيّه
تقرّر انّ فعّالا فعولا * مبالغتان في اسم الفاعليّه
فكيف تقول فيما صحّ منه * وما اللّه بظلّام البريّه
أيعطى القول إن فكرت فيه * سوى نفي المبالغة القويّه
وكيف إذا توضّأنا بماء * طهور وهو رأي الشافعيّه
أزلنا الوصف عنه بفرد فعل * وذاك خلاف رأي المالكيّه
فأوضح ما ادلهمّ عليّ حتى * تغادرني على بيضا نقيّه
فإن يدجو ظلام الشكّ منّي * فذهنك ذو قناديل مضيّه
ودم للمشكلات تميط عنها * أذى فهم لأذهان صديّه