تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان — صفحة 135

مساهمون:

ص١٣٥
حريصا على الجمع بين علم الشريعة والحكمة وكان مفننا . ولم يزل يجمع إليه العلماء من كل فن من جميع الأقطار ومن جملتهم أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد الأندلسي . ولما استوثق ليوسف الأمر وملك بلاد مردنيش من الأندلس خرج من إشبيلية قاصدا بلاد الأذفونش من الأندلس أيضا فنزل على مدينة له تسمى وبذة « 1 » فأقام محاصرا لها شهورا إلى أن اشتد عليهم الحصار وعطشوا ، فراسلوه في تسليم المدينة وأن يعطيهم الأمان على نفوسهم ، فامتنع من ذلك ، فلما اشتد بهم العطش سمع لهم في بعض الليالي لغط عظيم وأصوات هائلة ، وذلك أنهم اجتمعوا بأسرهم ودعوا اللّه تعالى ، فجاءهم مطر عظيم ملأ ما كان عندهم من الصهاريج ، فارتووا وتقوّوا على المسلمين ، فانصرف عنهم إلى إشبيلية بعد أن هادنهم مدة سبع سنين . وكان يرتفع إليه في كل سنة من خراج إشبيلية وقر مائة وخمسين بغلا ، خارجا عما يرتفع إليه من خراج بقية البلاد في بر العدوة وفي بر الأندلس . وفي سنة تسع وسبعين « 2 » تجهز للغزو في جيش عظيم وعبر إلى جزيرة الأندلس ونزل إشبيلية كعادتهم في إصلاح شأنهم ، ثم رحل إلى شنترين ، وهي بليدة في غرب الأندلس ، وهي في غاية المنعة والحصانة ، فحاصرها وضيق عليها ، فلم يقدر عليها ، وهجم الشتاء ، وخاف المسلمون من البرد وزيادة مدّ النهر فلا يقدرون على العبور وتنقطع عنهم المادة ، فأشاروا عليه بالرجوع إلى إشبيلية ، فإذا طاب الزمان عاد إليها ، فقبل ذلك منهم وقال : نحن راحلون غدا إن شاء اللّه تعالى ، ولم ينتشر هذا الحديث لأنه قاله في مجلس الخاصة ، فكان أول من قوض ورحل أبو الحسن علي بن عبد اللّه بن عبد الرحمن الخطيب
هامش
( 1 ) ر والمختار : ربدة . ( 2 ) قارن بما في المعجب : 330 وما بعدها ؛ وأورد صاحب البيان المغرب الخبر عن هذه المعركة مفصلا ( ص 128 - 138 ) .