قال صالح بن الأصبغ التنوخي المنبجي « 1 » : رأيت البحتري هاهنا عندنا قبل أن يخرج إلى العراق ، يجتاز بنا في الجامع من هذا الباب ، وأومأ إلى جنبتي المسجد ، يمدح أصحاب البصل والباذنجان ، وينشد الشعر في ذهابه ومجيئه ، ثم كان منه ما كان ، وعلوة التي شبب بها في كثير من أشعاره هي بنت زريقة الحلبية ، وزريقة أمها « 2 » .
وحكى أبو بكر الصولي في كتابه الذي وضعه في « أخبار أبي تمام الطائي » « 3 » أن البحتري كان يقول : أول أمري في الشعر ونباهتي فيه أنّي صرت إلى أبي تمام وهو بحمص ، فعرضت عليه شعري ، وكان يجلس فلا يبقى شاعر إلا قصده وعرض عليه شعره ، فلما سمع شعري أقبل عليّ وترك سائر الناس ، فلما تفرقوا قال لي : أنت أشعر من أنشدني ، فكيف حالك ؟ فشكوت خلّة ، فكتب إلى أهل معرة النعمان « 4 » ، وشهد لي بالحذق وشفع لي إليهم وقال لي : امتدحهم ، فصرت إليهم فأكرموني بكتابه ووظفوا لي أربعة آلاف درهم ، فكانت أول مال أصبته .
وقال أبو عبادة المذكور « 5 » : أول ما رأيت أبا تمام ، وما كنت رأيته قبلها ، أنّي دخلت إلى أبي سعيد محمد بن يوسف ، فامتدحته بقصيدتي التي أولها :
أأفاق صبّ من هوى فأفيقا * أم خان عهدا أم أطاع شفيقا
فأنشدته إياها ، فلما أتممتها سرّ بها ، وقال لي : أحسن اللّه إليك يا فتى ، فقال له رجل في المجلس : هذا ، أعزّك اللّه ، شعري علقه هذا الفتى ، فسبقني به إليك ، فتغير أبو سعيد وقال لي : يا فتى ، قد كان في نسبك وقرابتك ما يكفيك أن تمت به إلينا ، ولا تحمل نفسك على هذا ، فقلت : هذا شعري أعزّك
هامش
( 1 ) تاريخ بغداد 13 : 447 .
( 2 ) ق : ثم شبب بعلوة بنت زريقة الحلبية ؛ وسقط هذا من : بر من .
( 3 ) أخبار أبي تمام : 66 وأخبار البحتري : 55 - 56 .
( 4 ) أورد الصولي نص الكتاب وهو : « يصل كتابي هذا على يد الوليد أبي عبادة الطائي وهو على بذاذته شاعر فأكرموه » . ( أخبار أبي تمام : 66 ) .
( 5 ) أخبار أبي تمام : 105 - 106 وأخبار البحتري : 63 .