به خلق كثير ، وأدركت من أصحابه جمعا كثيرا بالديار المصرية .
وكان يجتنب فضول الكلام ولا ينطق في سائر أوقاته إلا بما تدعو إليه ضرورة ، ولا يجلس للإقراء إلا على طهارة في هيئة حسنة وتخشع واستكانة ، وكان يعتل العلة الشديدة فلا يشتكي ولا يتأوه ، وإذا سئل عن حاله قال :
العافية ، لا يزيد على ذلك . أنشدني بعض أصحابه قال : كان الشيخ كثيرا ما ينشد هذا اللغز ، وهو في نعش الموتى فقلت له : فهل هو له ؟ فقال : لا أعلم ، ثم إني وجدته بعد ذلك في ديوان الخطيب أبي زكريا يحيى بن سلامة الحصكفي - وسيأتي ذكره إن شاء اللّه تعالى - وهو :
أتعرف شيئا في السماء يطير * إذا سار صاح الناس حيث يسير
فتلقاه مركوبا وتلقاه راكبا * وكل أمير يعتليه أسير
يحض على التقوى ويكره قربه * وتنفر منه النفس وهو نذير
ولم يستزر عن رغبة في زيارة * ولكن على رغم المزور يزور
وكانت ولادته في آخر سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة ، وخطب ببلده على فتاء سنه ، ودخل مصر سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة . وكان يقول عند دخوله إليها :
إنه يحفظ وقر بعير من العلوم ، بحيث لو نزل عليه ورقة أخرى لما احتملها ، وكان نزيل القاضي الفاضل ، ورتبه بمدرسته بالقاهرة متصدرا لإقراء القرآن الكريم وقراءاته والنحو واللغة . وتوفي يوم الأحد بعد صلاة العصر ، الثامن والعشرين من جمادى الآخرة سنة تسعين وخمسمائة . ودفن يوم الاثنين في تربة القاضي الفاضل بالقرافة الصغرى ، وزرت قبره مرارا ، رحمه اللّه تعالى ؛ وصلى عليه الخطيب أبو إسحاق العراقي - المقدم ذكره - خطيب جامع مصر .
وفيّره : بكسر الفاء وسكون الياء المثناة من تحتها وتشديد الراء وضمها ، وهو بلغة اللطيني من أعاجم الأندلس ومعناه بالعربي : الحديد .
والرّعيني : بضم الراء وفتح العين المهملة وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها نون ، هذه النسبة إلى ذي رعين ، وهو أحد أقيال اليمن ، نسب إليه خلق كثير .