وجمعت بين المذهبين فلم يكن * للحسن عن ذهبيهما من مذهب
وإذا أتت عين لتسرق نظرة * قال الشعاع لها اذهبي لا تذهبي
وما ألطف قوله « اذهبي لا تذهبي » . وقد أذكرتني هذه الأبيات في الخمار المذهب حكاية وقفت عليها منذ زمان بالموصل ، وهي أن بعض التجار قدم مدينة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ومعه حمل من الخمر السود ، فلم يجد لها طالبا ، فكسدت عليه وضاق صدره ، فقيل له : ما ينفّقها لك إلا مسكين الدارمي ، وهو من مجيدي الشعراء الموصوفين بالظرف والخلاعة ، فقصده فوجده قد تزهد وانقطع في المسجد ، فأتاه وقص عليه القصة ، فقال : وكيف أعمل وأنا قد تركت الشعر وعكفت على هذه الحال ؟ فقال له التاجر : أنا رجل غريب ، وليس لي بضاعة سوى هذا الحمل ، وتضرع إليه ، فخرج من المسجد وأعاد لباسه الأول وعمل هذين البيتين وشهرهما وهما :
قل للمليحة في الخمار الأسود * ماذا أردت بناسك متعبد
قد كان شمّر للصلاة ثيابه * حتى قعدت له بباب المسجد « 1 »
فشاع بين الناس أن مسكينا الدارمي قد رجع إلى ما كان عليه ، وأحبّ واحدة ذات خمار أسود ، فلم يبق بالمدينة ظريفة إلا وطلبت خمارا أسود ، فباع التاجر الحمل الذي كان معه بأضعاف ثمنه ، لكثرة رغباتهم فيه ، فلما فرغ منه عاد مسكين إلى تعبده وانقطاعه .
وكتب القاضي أبو علي التّنوخي المذكور إلى بعض الرؤساء في شهر رمضان :
نلت في ذا الصيّام ما تشتهيه * وكفاك الإله ما تتّقيه
أنت في الناس مثل شهرك في الأش * هر ، بل مثل ليلة القدر فيه
هامش
( 1 ) زاد في ن بيتا ثالثا وهو :ردي عليه ثيابه ووقاره * لا تقتليه بحق آل محمدولذلك قال قبل الأبيات : وعمل هذه الأبيات الثلاثة وأشهرهم .