ولهذه الأبيات حكاية مستطرفة أحببت ذكرها هاهنا وقد سردها الحافظ أبو عبد اللّه الحميدي ، في كتاب « جذوة المقتبس » « 1 » ، وغيره من أرباب تواريخ المغاربة ، وهي أن أبا علي الحسن بن الأشكري « 2 » المصري قال : كنت رجلا من جلاس الأمير تميم بن أبي تميم ، وممن يخف عليه جدا - وهذا تميم هو أبو المعز بن باديس المذكور في حرف التاء - قال : فأرسلني إلى بغداد ، فابتعت له جارية رائقة فائقة الغناء ، فلما وصلت إليه دعا جلساءه ، قال : وكنت فيهم ، ثم مدّت الستارة ، وأمرها بالغناء فغنت :
وبدا له من بعد ما اندمل الهوى * برق تألق موهنا لمعانه
يبدو كحاشية الرداء ودونه * صعب الذرا متمنع أركانه
فمضى لينظر كيف لاح فلم يطق * نظرا إليه وصدّه « 3 » سجّانه
فالنار ما اشتملت عليه ضلوعه * والماء ما سمحت به أجفانه
وهذه الأبيات ذكرها صاحب « الأغاني » « 4 » للشريف أبي عبد اللّه محمد بن صالح الحسني ، قال ابن الأشكري : فأحسنت الجارية ما شاءت ، فطرب الأمير تميم ومن حضر ، ثم غنت :
سيسليك عما فات دولة مفضل * أوائله محمودة وأواخره
ثنى اللّه عطفيه وألّف شخصه * على البر مذ شدت عليه مآزره
قال : فطرب الأمير تميم ومن حضر طربا شديدا ، قال : ثم غنت :
أستودع اللّه في بغداد لي قمرا * بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه
وهذا البيت لمحمد بن زريق الكاتب البغدادي ، من جملة قصيدة طويلة .
هامش
( 1 ) جذوة المقتبس : 66 - 68 وانظر المطرب : 62 .
( 2 ) ر : الاسكبري ، حيثما ورد .
( 3 ) ر : ورده ، وكذلك في الأغاني .
( 4 ) الأغاني 16 : 283 .