غليل باطن لك في فؤادي * يخفف بالدموع الجاريات
ولو أني قدرت على قيام * لفرضك والحقوق الواجبات
ملأت الأرض من نظم القوافي * ونحت بها خلاف النائحات
ولكني أصبّر عنك نفسي * مخافة أن أعد من الجناة
وما لك تربة فأقول تسقى * لأنك نصب هطل الهاطلات
عليك تحية الرحمن تترى * برحمات غواد رائحات
ولم يزل « 1 » ابن بقية مصلوبا إلى أن توفي عضد الدولة - في التاريخ المذكور في ترجمته في حرف الفاء « 2 » - فأنزل عن الخشبة ، ودفن في موضعه ، فقال فيه أبو الحسن ابن الأنباري صاحب المرثية المذكورة :
لم يلحقوا بك عارا إذ صلبت بلى * باءوا بإثمك ثم استرجعوا ندما
وأيقنوا أنهم في فعلهم غلطوا * وأنهم نصبوا من سؤدد علما
فاسترجعوك وواه وا منك طود علا * بدفنه دفنوا الافضال والكرما
لئن بليت فلا يبلى نداك ولا * ينسى ، وكم هالك ينسى إذا عدما
تقاسم الناس حسن الذكر فيك كما * ما زال مالك بين الناس منقسما
قال الحافظ ابن عساكر في « تاريخ دمشق » : لما صنع أبو الحسن المرثية التائية كتبها ورماها في شوارع بغداد ، فتداولتها الأدباء « 3 » ، إلى أن وصل الخبر إلى عضد الدولة ، فلما أنشدت بين يديه تمنى أن يكون هو المصلوب دونه ، فقال : عليّ بهذا الرجل ، فطلب سنة كاملة ، واتصل الخبر بالصاحب ابن عباد وهو بالري فكتب له الأمان ، فلما سمع أبو الحسن ابن الأنباري بذكر الأمان قصد حضرته فقال له : أنت القائل هذه الأبيات ؟ قال : نعم ، قال : أنشدنيها من فيك ، فلما أنشد :
هامش
( 1 ) ق : قال الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق ولم يزل . . . الخ .
( 2 ) انظر ج 4 : 54 .
( 3 ) ق : فتداولها الناس والأدباء .