ذاك إكمال وهذا جامع * وهما للناس شمس وقمر
فأشار بالإكمال إلى الغائب وبالجامع إلى الحاضر « 1 » . وكان الخليل قد أخذ عنه أيضا .
ويقال : إن أبا الأسود الدؤلي لم يضع في النحو إلا باب الفاعل والمفعول فقط ، وإن عيسى بن عمر وضع كتابا على الأكثر وبوّبه وهذبه وسمّى ما شذ عن الأكثر لغات . وكان يطعن على العرب ويخطئ المشاهير منهم ، مثل النابغة في بعض أشعاره وغيره ، وروى الأصمعي قال « 2 » : قال عيسى بن عمر لأبي عمرو ابن العلاء : أنا أفصح من معدّ بن عدنان ، فقال له أبو عمرو : لقد تعديت ، فكيف تنشد هذا البيت :
قد كن يخبأن الوجوه تسترّا * فاليوم حين بدأن للنّظّار « 3 »
أو « بدين للنظار » فقال عيسى : بدأن ، فقال له أبو عمرو ، أخطأت ؛ يقال :
بدا يبدو إذا ظهر ، وبدأ يبدأ إذا شرع في الشيء ، والصواب « حين بدون للنظار » . وإنما قصد أبو عمرو تغليطه ، لأنه لا يقال في هذا الموضع « بدأن » ولا « بدين » بل « بدون » .
ومن جملة تقعيره في الكلام ما حكاه الجوهري في كتاب « الصحاح » قال « 4 » :
سقط عيسى بن عمر عن حمار له ، فاجتمع عليه الناس ، فقال : ما لكم تكأكأتم علي تكأكؤكم على ذي جنّة ، افرنقعوا عني ؛ معناه : ما لكم تجمعتم علي تجمعكم على مجنون ، انكشفوا عني .
ورأيت في بعض المجاميع أنه كان به ضيق النفس ، فأدركه يوما وهو في السوق ، فوقع ودار الناس حوله يقولون : مصروع مصروع ، فبين قارىء ومعوذ من الجان ، فلما أفاق من غشيته نظر إلى ازدحامهم فقال هذه المقالة ، فقال بعض الحاضرين : إن جنّيه يتكلم « 5 » بالهندية « 6 » .
هامش
( 1 ) قال القفطي : فأشار إلى الجامع بما يشار به إلى الحاضر ، وهي لفظة « هذا » .
( 2 ) انظر مجالس العلماء : 144 وقد رويت القصة عن أبي عمر الجرمي والأصمعي .
( 3 ) البيت للربيع بن زياد العبسي .
( 4 ) الصحاح : 66 ، 1258 .
( 5 ) لي ن : جنيته تتكلم .
( 6 ) ر : بالسريانية .