البيمارستان الذي كان يحمله أربعون جملا المستصحب في معسكر « 1 » السلطان محمود السلجوقي حيث خيّم ، وكان السديد أبو الوفاء يحيى بن سعيد بن يحيى بن المظفر المعروف بابن المرخّم « 2 » الذي صار أقضى القضاة ببغداد في أيام الإمام المقتفي فاصدا وطبيبا في هذا البيمارستان ، ثم إن العماد أثنى على أبي الحكم المذكور ، وذكر فضله وما كان عليه ، وذكر أن له كتابا سماه « نهج الوضاعة لأولي الخلاعة » .
ثم إن أبا الحكم المذكور انتقل إلى الشام وسكن دمشق ، وله فيها أخبار وماجرايات ظريفة تدل على خفة روحه .
رأيت في ديوانه أن أبا الحسين أحمد بن منير الطرابلسي - المقدم ذكره في حرف الهمزة « 3 » - كان عند الأمراء بني منقذ بقلعة شيزر ، وكانوا مقبلين عليه ، وكان بدمشق شاعر يقال له أبو الوحش سبع بن خلف بن محمد بن هبة اللّه الفقعسي ، وكانوا يصغرون كنيته فيقولون « وحيش » « 4 » ، وكانت فيه دعابة ، وبينه وبين أبي الحكم مودة وألفة متحدة ، فعزم أبو الوحش أن يتوجه إلى شيزر يمدح بني منقذ ويسترفدهم ، فالتمس من أبي الحكم المذكور كتابا إلى ابن منير بالوصية عليه ، فكتب أبو الحكم :
أبا الحسين استمع مقال فتى * عوجل فيما يقول فارتجلا
هذا أبو الوحش جاء ممتدح ال * قوم فنوّه به إذا وصلا
وأتل عليهم بحسن شرحك ما * أتلوه من حديثه « 5 » جملا
وخبّر القوم أنه رجل * ما أبصر الناس مثله رجلا
تنوب عن وصفه شمائله * لا يبتغي عاقل به بدلا
هامش
( 1 ) ر : عسكر .
( 2 ) ولاه المقتفي القضاء سنة 541 ثم عزله المستنجد عن القضاء لما ولي الخلافة ( 555 ه ) وكان ظالما يأخذ الرشا ( انظر مرآة الزمان : 187 وابن الأثير 11 : 258 ، 362 ) .
( 3 ) انظر ج 1 ص : 156 .
( 4 ) ترجمة أبي الوحش في الخريدة ( قسم الشام ) 1 : 242 .
( 5 ) كذا في جميع النسخ .