يتكرم عليك فإن ساويته في النفقة أضرّ بك وإن تفضل عليك استذلّك .
وكان يقول : من كان في يده شيء من هذه الدراهم فليصلحه فإنه في زمان إن احتاج كان أول من يبذل دينه . وحكي عنه أنه قال : إني لألقى الرجل أبغضه فيقول لي : كيف أصبحت ؟ فيلين له قلبي ، فكيف بمن أكل ثريدهم ووطئ بساطهم ؟
وقيل إن المهدي قال للخيزران : أريد أتزوج ، وكانت بكتاب « 1 » فقالت له :
لا يحلّ لك أن تتزوج عليّ ، قال : بلى ، قالت له : بيني وبينك من شئت ، قال : أترضين سفيان الثوري ؟ قالت : نعم ، فوجه إلى سفيان فقال : إن أمّ الرشيد تزعم أنه لا يحل لي أتزوج عليها وقد قال اللّه عز وجل
فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ
ثم سكت ، فقال له سفيان : أتمّ الآية ، يريد قوله تعالى
فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً
( النساء : 3 ) وأنت لا تعدل ، فأمر له بعشرة آلاف درهم فأبى أن يقبلها .
ومثل هذه النادرة ما أخبرني به الفقيه أمين الدين المحلي الذي كان في جملة المتصدرين عند الفقيه برهان الدين ابن الفقيه نصر وهو يومئذ صاحب ديوان الأحباس ، وكتب أسماءهم ينتدبهم للمضي إلى الخانقاه إلى المقام السلطاني في مهم فاعتذر رجل منهم فخط على اسمه وكتب غيره ، فقام رجل يعتذر فقال :
المملوك كما قال اللّه عز وجل
إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ
فقال له الفقيه أمين الدين :
صل ، يشير إلى بقية الآية وهي قوله تعالى
وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً
( الأحزاب : 13 ) فضحك البرهان والحاضرون ، وقال : لا أجمع عليك بين الفقه وبين تكليفك المجيء ، ثم خط على اسمه وابتدأ بغيره ] « 2 » .
قال سفيان بن عيينة : ما رأيت رجلا أعلم بالحلال والحرام من سفيان الثوري . وقال عبد اللّه بن المبارك : لا نعلم على وجه الأرض أعلم من سفيان الثوريّ . ويقال : كان عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه في زمانه رأس الناس ، وبعده عبد اللّه بن عباس ، وبعده الشعبي ، وبعده سفيان الثوري .
هامش
( 1 ) في ر : بنكاح .
( 2 ) زيادة من د ر وبعضه غير وارد في د وبعضه في ص أيضا .