إني لأعلم أنه لخليفة * إن بيعة عقدت وإن لم تعقد
فأمر له هارون بثلاثة آلاف دينار ، وأمرت زبيدة أن يحشى فوه جوهرا ، فكانت قيمته عشرة آلاف دينار .
وقالت زبيدة للمأمون عند دخوله بغداد : أهنيك بخلافة قد هنأت نفسي [ بها ] عنك قبل أن أراك ، وان كنت قد فقدت ابنا خليفة لقد عوضت ابنا خليفة لم ألده ، وما خسر من اعتاض مثلك ولا ثكلت أم ملأت يدها منك ، وأنا أسأل اللّه أجرا على ما أخذ وإمتاعا بما عوض ؛ وقيل إن زبيدة أرسلت إلى أبي العتاهية أن يقول على لسانها أبياتا يستعطف بها المأمون ، فأرسل هذه الأبيات :
ألا إنّ صرف الدهر يدني ويبعد * ويمتع بالألّاف طرّا ويفقد
أصابت بريب الدهر مني يدي * فسلمت للأقدار واللّه أحمد
وقلت لريب الدهر إن هلكت يد * فقد بقيت والحمد للّه لي يد
إذا بقي المأمون لي فالرشيد لي * ولي جعفر لم يفقدا ومحمد
فسيرتها له ، فلما قرأها المأمون استحسنها وسأل عن قائلها فقيل له أبو العتاهية ، فأمر له بعشرة آلاف درهم وعطف على زبيدة وزاد في تكرمتها والبر بها .
اختلف الرشيد وأم جعفر في اللوزينج والفالوذج أيهما أطيب ، فمالت زبيدة إلى تفضيل الفالوذج ومال الرشيد إلى تفضيل اللوزينج ، وتخاطرا على مائة دينار ، فأحضرا أبا يوسف القاضي وقالا له : يا يعقوب قد اختلفنا في كذا على كذا وكذا فاحكم فيه ، فقال : يا أمير المؤمنين ما يحكم على غائب وهو مذهب أبي حنيفة ، فأحضر له جامين من المذكورين ، فطفق يأكل من هذا مرّة ومن هذا مرة ، وتحقق أنه إن حكم للرشيد لم يأمن غضب زبيدة ، وإن حكم لها لم يأمن غضب الرشيد ، فلم يزل في الأكل إلى أن نصّف الجامين فقال له الرشيد :
ايه أبا يوسف ، فقال : يا أمير المؤمنين ، ما رأيت خصمين أجدل منهما ، كلما أردت