بضعة عشر حديثا ولم تكن له بضاعة في رواية الأحاديث . . . إذا رجعت إلى ترجمة الإمام لوجدت الإجماع على أنّ هذا كذب ، فقد صح عنه أنه :
- تفرّد برواية وتخريج أكثر من مائتي حديث فضلا عن الأحاديث التي اشترك مع المحدثين الآخرين في روايتها .
- لو أردت أن تجمع الأحاديث من مصنفات محمد بن الحسن وأبي يوسف وغيرهما من مرويّات أبي حنيفة فلسوف تجد الشيء الكثير .
- لو وقفت على مناقشة بسيطة في مسألة من مسائل الفقه بينه وبين أحد الأئمة لرأيته يروي عددا كبيرا من الأحاديث .
مروياته في باب الصلاة تزيد عن مائة حديث .
ورعه وتقواه وعبادته للّه تعالى :
قال ابن المبارك : قلت لسفيان الثوري : ما أبعد أبا حنيفة عن الغيبة ، ما سمعته يغتاب عدوا له . قال : واللّه هو أعقل من أن يسلّط على حسناته ما يذهب بها . . . كان أبو حنيفة يختم القرآن في كل يوم ثم حين اشتغل بالأصول والاستنباط واجتمع حوله الأصحاب أخذ يختمه في ثلاث في الوتر . . . صلى أبو حنيفة ثلاثين سنة صلاة الفجر بوضوء العتمة وحج خمسا وخمسين حجة .
قال مسعر بن كدام : رأيت الإمام يصلي الغداة ثم يجلس للعلم إلى أن يصلي الظهر ثم يجلس إلى العصر ثم إلى قريب المغرب ثم إلى العشاء ، فقلت في نفسي متى يتفرغ للعبادة ؟ فلما هدأ الناس خرج إلى المسجد وكان بيته بجوار المسجد الذي يؤم فيه حسبة للّه تعالى . فانتصب للصلاة إلى الفجر ثم دخل فلبس ثيابه . وكانت له ثياب خاصة يلبسها لقيام الليل وخرج إلى صلاة الصبح ففعل كما فعل ، ثم تعاهدته على هذه الحالة فما رأيته مفطرا ولا بالليل نائما . وكان يغفو قبل الظهر إغفاءة خفيفة ، وقرأ ليلة حتى وصل إلى قوله تعالى :
فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ
( 27 ) ، [ الطور : 27 ] فما زال يرددها حتى أذّن الفجر . وردد قوله تعالى :
بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ
( 46 ) ، [ القمر : 46 ] ، ليلة كاملة في الصلاة . وقالت أم ولده : ما توسّد فراشا بليل منذ عرفته وإنما كان نومه بين الظهر والعصر في الصيف وأول الليل بمسجده في الشتاء .