طلب الأحسن للاتباع الذي هو مأمور به كما قال تعالى :
. . . فَبَشِّرْ عِبادِ ( 17 ) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ
، [ الزمر : 17 - 18 ] . وهو عند الفقهاء نوعان :
1 - العمل بالاجتهاد وغالب الرأي في تقدير ما جعله الشرع مدلولا إلى آرائنا نحو قوله تعالى :
مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ
( 236 ) ، [ البقرة : 236 ] ، أوجب ذلك بحسب اليسار والعسرة وشرط أن يكون بالمعروف ، فعرفنا أنّ المراد ما يعرف استحسانه بغالب الرأي ولا خلاف في هذا النوع .
2 - هو الدليل الذي يكون معارضا للقياس الظاهر الذي تسبق إليه الأوهام قبل إمعان التأمّل فيه ، وبعد إمعان التأمل في حكم الحادثة وأشباهها من الأصول يظهر أنّ الذي عارضه فوقه في القوة ، فإنّ العمل به هو الواجب ، فسمّوه بذلك استحسانا للتمييز بين هذا النوع من الدليل وبين الظاهر الذي تسبق إليه الأوهام . مثاله : لو قال لامرأته :
إذا حضت فأنت طالق ، فقالت : قد حضت ، فكذّبها الزوج ، فإنها لا تصدّق في القياس باعتبار الظاهر وهو أنّ الحيض شرط للطلاق كدخولها الدار وكلامها زيدا . وفي الاستحسان تطلّق لأن الحيض شيء في باطنها لا يقف عليه غيرها ، فلا بد من قبول قولها فيه .
العرف والعادة : هو ما استقر في النفوس من جهة العقول وتلقته الطباع السليمة بالقبول . وإنما يكون العرف دليلا حيث لا دليل شرعي من كتاب وسنة . قال ابن مسعود : ما رآه المسلمون حسنا فهو عند اللّه حسن . . . وألّف ابن عابدين رسالة " العرف " تضمنت مسألة تضمين الخياط والكواء ( ومثالهما إذا أحرقا القماش أو أضاعاه ) .
وأبو حنيفة هو أساس من جمع بين مذهبي أهل الحجاز أهل الحديث وأهل العراق أهل الرأي . كان أبو حنيفة من علماء الرأي ولكنه ذهب إلى الحجاز وأقام في مكة ست سنوات يأخذ العلم من علماء الحجاز أمثال عبد اللّه بن عمر . . . يذكر أن أبا حنيفة دخل يوما على المنصور فقال له أحد الجالسين : هذا عالم الدنيا اليوم . . . فقال له المنصور : يا نعمان من أين أخذت علمك ؟ قال : من أصحاب عبد اللّه بن عمر عن عبد اللّه بن عمر ( أهل الحديث ) ومن أصحاب عبد اللّه بن عباس عن عبد اللّه بن عباس ومن أصحاب عبد اللّه بن مسعود عن عبد اللّه بن مسعود ( أهل الرأي ) . . . إذا لأول مرة خرق أبو حنيفة الحدود الفاصلة بين المذهبين . عندما ذهب إلى أهل الحجاز تعلم منهم