وعزمي أن أفعل ، فلمّا دخلت المسجد رأيته ولم تطب نفسي أن أعتزله فجئت فجلست معه ، فجاء في تلك الليلة نعي قرابة له قد مات بالبصرة ، وترك مالا وليس له وارث غيره ، فأمرني أن أجلس مكانه . فما هو إلا أن خرج حتى وردت عليّ مسائل لم أسمعها منه ، فكنت أجيب وأكتب جوابي . ثم قدم ، فعرضت عليه المسائل وكانت نحوا من ستين مسألة ، فوافقني بأربعين وخالفني في عشرين ، فآليت على نفسي ألا أفارقه حتى يموت وهكذا كان " .
وكان أبو حنيفة شديد الأدب مع شيوخه حتى أنه كان لا يتخلى باتّجاه بيت شيخه حمّاد كان إذا نام يحرص أن لا تتوجه قدماه باتجاه بيت شيخه حمّاد . وقيل إن أبا حنيفة لم يكثر من الشيوخ مخافة أن تكثر حقوقهم عليه فلا يستطيع أداءها ، فتأملوا في أدبه الرائع ! .
ولعه بالفقه الفرضي :
أولع أبو حنيفة بالفقه الفرضي بخلاف معظم علماء عصره الذين كانوا يقولون نحن مضطرون أن نعلّم حكم اللّه في أمر حصل أمّا إذا لم يقع لا نحمّل أنفسنا هذه المئونة . ومعظم شيوخ أبي حنيفة كانوا على هذا المنوال وإن وجد فيهم من استجاز لنفسه أن يتوسع قليلا فإلى حد محدود جدا . وأبو حنيفة كان على النقيض إذ كان يفرض الوقائع وإن لم تقع وكان يتأمل في حكمها ويعطي كلا منها فتوى . هذا الأمر أعطى فقهه غزارة وغنى ومدعاة لأن يتبع الناس الفقه الأوسع والأكثر استجابة لواقع الحال ، فما لم يقع اليوم سيقع غدا لا سيما عندما يكون هذا الإمام عالما بعلم الاجتماع وخبيرا بالمشكلات التي ستنجم ، مثال ذلك : لقي أبو حنيفة قتادة رضي اللّه عنه وهو عالم من أجلّ علماء الحديث فسأله ما تقول في رجل غاب عن أهله أمدا طويلا ولم يعرف مصيره ، فتزوجت امرأته من زوج آخر وبعد حين جاء زوجها ، ما تقول في هذا ؟ قال قتادة : أوقعت هذه المسألة ؟ قال لا ، فقال له وقد ظهر الغضب على وجهه :
فلما ذا تسألني عنها ؟ قال له هذا الكلام المهم : " إننا نستعد للبلاء قبل نزوله فإذا ما وقع عرفنا الدخول فيه والخروج منه " .
فتنته مع أبي هبيرة :
كان أبو هبيرة واليا بالكوفة في زمان بني أميّة ، فظهرت الفتن بالعراق ، فجمع فقهاءها ببابه وفيهم ابن أبي ليلى وابن شبرمة وداود بن أبي هند ، فولّى كل واحد منهم صدرا من عمله ، وأرسل إلى أبي حنيفة فأراد أن يجعل الخاتم في يده ولا ينفذ كتاب إلا من تحت يده ولا يخرج من بيت المال شيء إلا من