أخبار قضاء القضاة بسرّمنرأى وبغداد
[ أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم ]
أول من ولي قضاء القضاة ببغداد ، أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم ثم علي بن ظبيان . ثم علي بن حرملة التيمي ، ثم يحيى بن أكثم - وقد تقدم ذكرهم أولا .
ثم ولي أحمد بن أبي داود بن جرير الإيادي قضاء القضاة للمعتصم والواثق وبعض أيام المتوكل . وكان يمتحن الناس في القرآن ويضرب ويقتل عليه ، وأفسد الخلفاء في هذا الوقت في المذهب .
وكان أول سبب دخوله على المأمون ما حدّثني به أبو العيناء محمد بن القاسم ، قال : جاء رسول المأمون إلى يحيى بن أكثم ومعه جلساؤه ومنهم ابن أبي داود - أن ائتني أنت ومن في مجلسك فقاموا إليه ، وقام ابن أبي داود في طيلسان ونعل ، فاعترض في الكلام وخلى بقلب المأمون فقال : من يكون الرجل ؟ قال : رجل من إياد . قال : وما أخرك عن مجلسي والاتصال بي ؟
قال : حبسه القدر وبلوغ الكتاب أجله . قال : لا ، اعلمن ما كان لي مجلس نظر لا تشهده ، فشق ذاك على يحيى بن أكثم .
فلما ولي المعتصم مصر قال المأمون ليحيى بن أكثم : انظر لأخي رجلا فطنا يسدده إذا سها ويؤنسه إذا خلى ويجمعه إذا ظهر . قال : لا أعرفه إلا واحدا أنت به ضنين ، قال : ومن هو ؟ قال :
ابن أبي داود قال : تفجعني به ، قال : تؤثر أخاك . فأذن له ، على نفس تنزع إليه .
فأخبرني أبو العيناء ، قال : سمعت ابن أبي داود يقول : خرجت مع المعتصم فما سرنا إلا منزلين حتى قال لي المعتصم : رأيت في ليلتي هذه كأني متعمم بالشمس وكأنّ القمر في حجري ، فقلت له : أمسك عليك ولا نسمعها منك ، فإنها مفسرة ، قال : فطردنا عن الخلافة واللّه يسوقها إلينا .
أخبرني أبو العيناء قال : سمعت ابن أبي داود يقول : دخلت على المأمون وفي يده كأس من شراب في آخر أيامه ، فقال : ما تقول في أبي بكر وعمر ؟ فقلت : إماما عدل . قال : أنت تقول ذاك ؟ قال : قلت : فأنت واللّه تقوله . إذا وفقك اللّه . قال : إنك عندي لحلال الدم . قال : قلت :
واللّه إن لدمي أحرم عليك مما في يديك . قال : فقلت لابن أبي داود : سبحان اللّه خليفة يجاوب هذه المجاوبة ، وهو سكران ؟ قال : وكان وقت الظهر ولم يكن العصر أي كان أول شرابه .