إلى مجلس القضاء حتى يأكل ويشرب ثلاثة أقداح ، فقال له وليد المنادي الذي كان ينادي له : أيها القاضي ، اسقني من نبيذك لأنظر كيف هو ، فغداه معه وسقاه ثلاثة أقداح ثم غدا إلى المسجد فجلس وقال له : يا وليد ادع فلان بن فلان ، فدعا فجعل الابن للأب والأب للابن ، وجاء خصمان ، فقال شريك : يا وليد جأ عنقه ، فوجأ عنقه الآخر ، فقال : يا وليد انطلق فنم في أصل تلك السارية وإلا واللّه جلدتك الحد .
أخبرني أحمد بن أبي خيثمة ، قال : سمعت الحسن بن حماد يقول : مات شريك وأنا شاهد بالكوفة سنة سبع وسبعين ومائة .
أخبرني عبد اللّه بن الحسن عن النميري : أن أعرابيا قدم على شريك فسأله عن حديث بريرة ، فقال :
أتيتك ممتارا من العلم بلغة * لمن ليس يدري أي رجليه أطول
يظن بأن الحمل في العطف نائب * وأن الذي في داخل البئر جردل
فإن كان حظي من حديثك ما أرى * فمن عمر نوح ما أرى منك أرذل
قال النميري ، وقال عبد اللّه بن المبارك :
يا جاعل الدين له مأربا * يصطاد أموال المساكين
لا تبع الدين بدنيا كما * يفعل ضلّال الرهابين
احتلت للدنيا ولذاتها * بحيلة تذهب بالدين
فصرت مجنونا بها بعد ما * كنت دواء للمجانين
أبرزوا بابك وألقوك في * لزوم أبواب السلاطين
تقول أكرهت وما ذا الذي * زلّ حمار العلم في الطين
وبلغني عن عمير بن هياج بن سعيد الهمداني ، ابن أخي مجالد قال : كنت في صحابة شريك فأتيته يوما وهو في منزله ، فخرج في فرو ليس تحته قميص عليه كساء ، فقلت : قد أضحيت عن مجلس الحكم ، فقال : غسلت ثيابي أنتظر جفوفها ، فجلسنا نتذاكر « باب العبد يتزوج بغير إذن سيده » وكانت الخيزران قد وجهت رجلا من النصارى على الطراز بالكوفة وكتبت إلى عيسى بن موسى لا تعص له أمرا ، فخرج من زقاق النخع عليه خز وطيلسان على برذون فاره ، ورجل بين يديه مكتوف وهو يقول : وا غوثا باللّه ثم بالقاضي ، وإذا آثار السياط في ظهره فسلم على القاضي ، فقال له : أنا رجل أعمل الوشي وأجرة مثلي مائة في الشهر ، أخذني هذا منذ أربعة أشهر فأجلسني في طراز يجري عليّ القبوت وعليّ عيال قد ضاعوا ، فأفلت اليوم منه ، فلحقني ففعل بظهري ما ترى ، فقال : يا نصراني اجلس مع خصمك ، قال : أصلحك اللّه هذا من خدم السيدة فمر به إلى الحبس ، قال : قم ويلك فاجلس معه ، فقام فجلس معه ، فقال : هذه الآثار التي بظهره من أثرها ؟
قال : أصلحك اللّه إنما ضربته أصواتا بيدي وهو يستحق أكثر من ذلك ، فدخل شريك داره وأخرج