حبسه لا يسوغ لك ، ولا يؤمن أن ينبعث عليك منه ما تكره ؛ فلم يزالوا يجيبونه ويهشونه حتى أقلع عن رأيه ؛ وانصرف محمد بن حرب إلى منزله ؛ وكان من أشد الناس إقبالا على أبي سلمة ونصرة ليحيى بن أكثم ، فلم ير جعفر بن سليمان ، قال قثم : فكان يحيى بن أكثم يسألني الثبوت عنده ؛ وكان أبو سلمة توعده وكان يعلم مكانتي من الحسن بن سهل ، وكان لي هاشما مطيعا قائما ؛ قال ابن حرب : لم نجد ليحيى شكرا ، يعني أنه جادل عنه أبا سلمة حين أمر بحبسه .
وكان يحيى بن أكثم يرمي بأمر غليظ في غير باب الحكم ، فأما في الحكم فهيهات أن يرام .
أخبرني محمد بن الجهم السمري صاحب الفراء ؛ قال : كان في سنة خمس ومائتين على قضاة البصرة يحيى بن أكثم ، وعلى الشرطة محمد بن حرب الهلالي ، وعلى الصلاة عبد اللّه بن جعفر بن سليمان ، وعلى كورة حلة عمرو بن زياد الدهقان . فقال سهل بن هارون الكاتب :
أثبنا الخمس والمائتين * بالشبهات والغلط
بلوطي على الأحكا * م مأمون على الشرط
وصار على صلاة القصر * أحدب كوسج علطي
وصاحب دجلة الغورا * ء كشحان من النبط
وقال بعض الشعراء :
يا ليت يحيى لم تلده أكثمه * ولم تطأ أرض العراق قدمه
وأخبرني محمد بن سعد الكراني ، قال : حدّثني إبراهيم بن عمر بن حبيب ؛ قال : دخلت بيت نخاس ببغداد أعرض جارية ، ومعي إسنان فمازح الجارية ؛ فشتمته فقال :
اسكتي لا تكلمي * يا قبوحية الفم
ليس خلق بمشتر * يك على ذا بدرهم
قد جرت سنة اللواط * بيحيى بن أكثم
أخبرني أبو العيناء ؛ قال : حدّثني ابن الشاذكوني ، قال : ذكر يحيى بن أكثم عمار بن مسلم ، وأثنى عليه ؛ فقلت : أتوثقه ؟ فقال : نعم ، قلت : فو اللّه الذي لا إله إلا هو لقد سمعته يرمي حاكما من حكام المسلمين بأمر يجب عليه فيه حد من حدود اللّه ، قال : ومن ذلك الحاكم ؟ قال :
دع ذا عنك ، فقد علمت الذي أردت .
وأخبرني أبو العيناء ، قال : حدّثني أبو العالية الشاعر الحسن بن مالك ، قال : كنت عند يحيى بن أكثم ، فأقبل قرص المرد بوجوه كالدنانير ، عليهم تلك الأسورة ، فقلت : واللّه ما رأيت المرد أكثر منهم ههنا ، فقال حمدان يحيى الباهلي : كفى بالغلاء جالبا .
وأخبرني أبو العيناء قال : حدّثني ابن الشاذكوني ، قال : قال لي صباح بن خاقان إذا أردت أن تعرف طلبة يحيى بن أكثم فانظر خلاف نظره ، فإن كانت طلبته يمنة نظر يسرة ، وإن كانت يسرة نظر يمنة .