ورحم الله شوقي الذي صاغ هذه المسألة في عبارة موجزة فقال : ( النُّصْح ثقيل فلا ترسله جبلاً ، ولا تجعله جدلاً ) فنُصْحك معناه أنك تقول لمن أمامك : أنت على خطأ وأنا على صواب . فلكي يسمع لك لا بُدَّ أنْ تستميله أولاً إليك ليقبل منك ، ولا تجرح مشاعره فيزداد عناداً ومكابرة ، وما أشبه صاحب الخطأ بالمريض الذي يحتاج لمن يأخذ بيده ، ويأسو مرضه .
وقد مثَّلوا لذلك بشخص يغرق ، وصاحبه على الشاطيء يلومه على نزوله البحر ، وهو لا يجيد السباحة ، فقال له : ( آسِ ثم انصح ) انقذني أولاً وأدركني ، ثم قُلْ ما شئتَ .
وقال آخر : الحقائق مُرَّة ، فاستعيروا لها خِفَّة البيان .
أما إنْ يئس الناصح من استجابة المنصوح كما في قصة نبي الله نوح عليه السلام ، والذي ظل يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً ، فالأمر يختلف . فالنبي صبر على قومه علَّهم يثوبون إلى رشدهم ، أو لعلهم ينجبون الذرية الصالحة التي تقبل ما رفضه الآباء .
فما أطولَ صبر نوح على قومه ، وما أعظمَ أدبه في الحوار معهم وهو يقول لهم وقد اتهموه بالكذب والافتراء : { قُلْ إِنِ افتريته فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ برياء مِّمَّا تُجْرِمُونَ } [ هود : 35 ] .
فنسب الإجرام إلى نفسه ليُسوِّي نفسه بهم لعلَّه يستميل قلوبهم ، لكن ، لما كان في علم الله تعالى أنهم لن يؤمنوا ، ولا فائدة منهم ، ولا من أجيالهم المتعاقبة ، وبعد أنْ قضى نوح في دعوتهم هذا العمر المديد أمره الله أن يدعو عليهم ، حيث لا أملَ في هدايتهم ، فقال :
تفسير الشعراوي — صفحة 10925
مساهمون: محمد متولي الشعراوي
ص١٠٩٢٥